الخرطوم – السودان الآن

تتواصل أزمة الوقود في ولاية الخرطوم، مع امتداد طوابير المركبات أمام عدد من محطات الخدمة وظهور محطات أخرى خارج الخدمة بسبب عدم توفر الوقود، بالتزامن مع زيادات جديدة في أسعار البنزين بعدد من الولايات، بينما لم تعتمد ولاية النيل الأبيض حتى الآن تسعيرة جديدة وفق المعطيات المتاحة.

ورصدت جولة ميدانية أجرتها «السودان الآن» الأربعاء، شملت مناطق في محليتي الخرطوم وشرق النيل، طوابير طويلة أمام محطات وقود، إلى جانب محطات لم تتمكن من البيع بسبب نفاد الإمدادات. واستمرت مظاهر الأزمة حتى صباح الخميس، مع ازدحام المحطات التي يتوفر فيها الوقود.

وتزامن ذلك مع تصريحات رسمية أكدت توفر الوقود. وكان رئيس الوزراء كامل إدريس قد تفقد الأربعاء عدداً من محطات الوقود في الخرطوم، ووجّه بتزويد المحطات بكميات إضافية وتسريع عمليات التوزيع لتجنب التكدس، فيما قالت الحكومة إن الإمدادات متوفرة.

وكانت وزارة الطاقة والنفط قد أكدت في 16 سبتمبر أن الوقود متوفر وأن الإمداد يسير بصورة طبيعية، وعزت الازدحام الذي شهدته بعض المحطات حينها إلى عوامل بينها بطء أو تذبذب التطبيقات البنكية وتأخر بعض إجراءات الإمداد، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري.

لكن الأزمة عادت للظهور خلال الأيام الأخيرة بصورة أكثر وضوحاً. وأفاد تقرير حديث بأن محطات في أم درمان أغلقت أو توقفت عن البيع لساعات، بينما امتدت الصفوف أمام محطات أخرى، مع لجوء بعض أصحاب المركبات إلى السوق الموازية للحصول على الوقود بأسعار أعلى.

وانعكست أزمة الإمداد والزيادات السعرية على قطاع المواصلات، إذ يواجه المواطنون ارتفاعاً في تكلفة التنقل في وقت يشكون فيه من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. كما يدفع نقص الوقود بعض أصحاب المركبات إلى شراء احتياجاتهم من السوق الموازية، حيث تُباع الكميات بأسعار أعلى من السعر الرسمي.

وفي المقابل، بدأت ولايات أخرى تطبيق أسعار جديدة للبنزين. ففي ولاية نهر النيل حددت إدارة النقل العام والبترول، في قرار مؤرخ 24 سبتمبر، سعر لتر البنزين بين 8,299 و8,391 جنيهاً بحسب المحلية، على أن يسري القرار من تاريخ التوقيع.

وفي ولاية الجزيرة، قررت وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة رفع سعر لتر البنزين للمستهلك إلى 8,950 جنيهاً اعتباراً من الخميس 1 أكتوبر، مع إلزام محطات الخدمة بالتسعيرة الجديدة وتهديد المخالفين بالمساءلة القانونية.

وتشير وثيقة صادرة عن شركة إندونايل للاستثمار في 29 سبتمبر إلى تحديد سعر التنازل عن ناقلة البنزين «NAVIG8 EXPRESS» عند 7,150 جنيهاً للتر للشركات و7,300 جنيه للوكلاء، مع اعتماد سعر إرشادي للدرهم عند 1,410 جنيهات وفق ما ورد في الوثيقة الموجهة إلى وزارة الطاقة والنفط.

أما ولاية النيل الأبيض، التي شهدت في سبتمبر اعتماد سعر جديد للبنزين بلغ 38,805 جنيهات للجالون في عدد من محلياتها، فقد أكدت حكومتها في 20 سبتمبر توفر كميات كبيرة من الوقود واستقرار الإمدادات.

وتبرز في الولاية حالياً مسألة أخرى تتعلق بآلية اعتماد التسعيرة الجديدة؛ إذ يدور خلاف إجرائي، وفق المعطيات المتاحة، بين أصحاب محطات الوقود وإدارة النقل العام والبترول حول الفواتير والمستندات المطلوبة لاعتماد السعر.

وتشير المعطيات إلى أن جوهر المشكلة ليس فقط مقدار الزيادة، وإنما كيفية اعتماد السعر وضمان استمرار الإمداد في الوقت نفسه. فالتأخر في التسعيرة أو تعقيد إجراءاتها قد ينعكس على حركة الترحيل والتوزيع، خصوصاً إذا أدى إلى توقف بعض المحطات عن البيع انتظاراً للسعر الجديد.

وتكرر أزمات الوقود في السودان في ظل استمرار تداعيات الحرب على قطاع الطاقة والإمداد. وكانت مصفاة الجيلي، التي كانت تغطي جزءاً كبيراً من الاستهلاك المحلي، قد خرجت من الخدمة، ما زاد اعتماد البلاد على الاستيراد، بينما تواجه عمليات الاستيراد ضغوطاً مرتبطة بسعر الصرف وتكاليف النقل والظروف الإقليمية.

وتُظهر التطورات الأخيرة أن استقرار السعر لا ينفصل عن استقرار الإمداد؛ فحتى مع اعتماد تسعيرة رسمية، فإن توقف المحطات أو نقص الكميات يدفع بعض المستهلكين إلى السوق الموازية، ويزيد كلفة النقل، ثم ينتقل الأثر إلى أسعار السلع والخدمات.

وفي النيل الأبيض، يصبح التحدي أمام السلطات هو إصدار آلية واضحة وسريعة للتسعير، مع استمرار الترحيل والتوزيع ومنع توقف المحطات، حتى لا تتحول الخلافات الإجرائية حول المستندات والفواتير إلى نقص في الوقود يعيد مشهد الصفوف الذي تشهده الخرطوم حالياً.

وتبقى أزمة الوقود في الخرطوم اختباراً عملياً للفارق بين توفر الوقود على مستوى الإمداد العام ووصوله فعلياً إلى المستهلك في المحطة؛ إذ تؤكد السلطات توفر الإمدادات، بينما تظهر مشاهد الصفوف وتوقف بعض المحطات أن انتظام التوزيع لا يزال يمثل تحدياً يحتاج إلى معالجة.