الأبيض – السودان الآن

أظهر مقطع فيديو حصلت عليه «السودان الآن» عملية إعدام لأشخاص كانوا مقيدي الأيدي ومطروحين على الأرض في منطقة أم بادر بولاية شمال كردفان، فيما يظهر في المقطع رجل تمكنت «السودان الآن» من التحقق من هويته وهو قائد المجموعة 302 بقوات الدعم السريع علي البلة جبارة، إلى جانب مجموعة من عناصر قوات الدعم السريع.

وتمكنت «السودان الآن» من التحقق من أن الواقعة المصورة حدثت في أم بادر، وليس في سودري، كما تحققت من هوية علي البلة الظاهر في التسجيل من خلال مقارنته بصور ومقاطع فيديو سبق أن نشرها بنفسه.

أما ما لم يتسنَّ التحقق منه بشكل مستقل فهو العدد الفعلي للأشخاص الذين جرى إعدامهم. ويقول علي البلة، وفق ما يظهر في التسجيل، إن عددهم 23 شخصاً، بينما تورد مصادر أخرى أرقاماً مختلفة.

وتُظهر المادة المصورة أشخاصاً مقيدي الأيدي، وبعضهم مغطى الوجه، بينما يسمع صوت عدد منهم وهم يؤكدون أنهم مدنيون ويطلبون إخضاعهم للمحاكمة وفق القانون إذا ثبتت الاتهامات الموجهة إليهم.

وفي المقابل، يسمع في التسجيل صوت علي البلة جبارة الذي جرى التحقق من هويته وهو يأمر قواته بتنفيذ عملية الإعدام، قبل أن يسمع إطلاق النار.

ماذا يقول التسجيل ؟

يتضمن التسجيل عبارات تشير إلى تاريخ 24 سبتمبر 2026، وإلى أن العملية جرت على خلفية أحداث مرتبطة بـ«مشكلة سوق أم بادر» الجزء المشالي الغربي لولاية شمال كردفان.

ويقول القائد الميداني بقوات الدعم السريع علي البلة في التسجيل إن الأشخاص الذين جرى احتجازهم هم «23 فرداً»، ويصفهم بـ «الشفشافة» و «الحرامية»، قبل أن يتحدث عن تنفيذ الإعدام رمياً بالرصاص.

وتسمع في خلفية التسجيل أصوات أشخاص يوجهون أوامر إلى المحتجزين والعناصر المسلحة، فيما يظهر الأشخاص المستهدفون وهم مقيدون وممددون على الأرض.

ولا تقدم «السودان الآن» الرقم 23 باعتباره رقماً مستقلاً تم التحقق منه ميدانياً؛ فهو العدد الذي ذكره علي البلة في التسجيل، بينما لا تزال عملية التحقق المستقل من العدد النهائي للضحايا غير ممكنة.

من هو الرجل الظاهر في الفيديو ؟

يمثل تحديد هوية الشخص الظاهر في التسجيل إحدى النقاط التي تمكنت «السودان الآن» من التحقق منها. فقد جرت مقارنة ملامحه وظهوره في الفيديو مع صور ومقاطع سابقة نشرها علي البلة بنفسه، وهو ما أتاح تحديد هويته وهو القائد الميداني المذكور.

كما أن الفيديو نُشر من عناصر مرتبطة به، بحسب التحقق الذي أجرته «السودان الآن». وهذه النقطة تختلف عن مسألة عدد الضحايا : هوية علي البلة وموقع الواقعة في أم بادر أمكن التحقق منهما، بينما لا يمكن حتى الآن التحقق بشكل مستقل من العدد الفعلي لمن أُعدموا.

تسجيل آخر من داخل الدعم السريع

وفي تسجيل منفصل، ظهر القائد الميداني بقوات الدعم السريع جعبيز السلامي وهو يتحدث صراحة عن علي البلة وعن المقطع المتداول.

وقال السلامي إن ما حدث لا يمكن التعامل معه باعتباره «محاكمة ميدانية»، مطالباً علي البلة بتسليم نفسه إلى العدالة، ومشيراً إلى وجود محاكم يمكن أن تنظر في الاتهامات الموجهة إلى الأشخاص الذين جرى قتلهم.

وتساءل عن الأسباب التي أدت إلى قتل الأشخاص، قائلاً في التسجيل، في سياق حديثه عن الضحايا: ماذا نهبوا؟ وماذا قتلوا؟ وماذا سرقوا ؟

كما تحدث السلامي عن العدد، مستخدماً رقماً مختلفاً عن الرقم الوارد في تسجيل علي البلة، إذ ورد في حديثه رقم 15 في أحد أجزاء التسجيل، في حين أشار إلى «23» في سياق آخر من حديثه.

ويجعل اختلاف الأرقام داخل التسجيلات نفسها مسألة تحديد عدد الضحايا بحاجة إلى تحقيق مستقل، ولا يسمح بتقديم أي من هذه الأرقام باعتباره حصيلة نهائية مؤكدة.

وفي حديثه عن المسؤولية، وجه السلامي اتهامات مباشرة إلى علي البلة، وطالبه بتسليم نفسه للعدالة، داعياً إلى تداول التسجيلات التي توثق الواقعة.

اتهامات أخرى من داخل قوات الدعم السريع

وفي تسجيل ثالث وجهة أحد عناصر قوات الدعم السريع، انتقادات واتهامات إضافية إلى علي البلة حيث قال إن الأشخاص الذين أعدمهم يتبعون لقوات الدعم السريع. ووصف المتحدث علي البلة بأنه «طابور»، وقال إن تقارير وبلاغات سبق أن رُفعت بشأنه، كما تحدث عن اتهامات تتعلق بالتصرف في الأسلحة والذخائر ومخازنها.

وورد في التسجيل ادعاء بأن 27 عسكرياً جرى قتلهم، مع توجيه اتهامات لعلي البلة بالمسؤولية عن ذلك، إلى جانب تهديدات له ودعوات إلى التعامل معه وتسليمه للعدالة. وهذه الادعاءات الواردة في التسجيل لم يتسنَّ لـ«السودان الآن» التحقق منها بشكل مستقل، كما أنها لا تثبت وحدها عدد ضحايا واقعة أم بادر.

لكن أهمية التسجيل، في سياق التقرير، تكمن في أنه يقدم انتقاداً من داخل صفوف الدعم السريع لسلوك علي البلة، ويشير إلى وجود خلافات واتهامات داخلية بشأن ممارسات ميدانية.

القوة المشتركة : «جريمة لن ترهب شعبنا»

وقال الرائد متوكل علي وكيل أبوجا، الناطق الرسمي باسم القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، إن ما وصفه بتصفية 23 مواطناً في أم بادر يمثل جريمة بحق المدنيين. وأشار إلى أن الفيديو وتقارير محلية تتحدث عن مقتل 23 مواطناً، معتبراً استهداف المدنيين وترويع السكان انتهاكاً خطيراً، ودعا إلى حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين.

وأكد، في بيان صادر عنه، استمرار القوة المشتركة في حماية المدنيين وتأمين المناطق الواقعة ضمن نطاق عملياتها، مع التأكيد على احترام القانون وحياة المدنيين وممتلكاتهم.

 «الفيديو دليل على الواقعة في أم بادر»

من جانبه، نشر الناشط أيمن شرارة إفادة تناول فيها الفيديو والبيانات السياسية المرتبطة به. وقال شرارة إن تحالف «تأسيس» أصدر بياناً يدين إعدام 23 شخصاً، لكنه نسب الواقعة إلى الجيش وحدد موقعها في سودري.

وفي المقابل، اتهم شرارة قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن الواقعة، وقال إن الأدلة المصورة تشير إلى تنفيذ الإعدام في أم بادر تحت قيادة علي البلة جبارة، مشيراً إلى أن عملية التصوير تمت من أكثر من زاوية.

كما دعا إلى إجراء تحقيق مستقل، وطالب «تأسيس» بالتعامل مع المادة المصورة والتحقق منها بدلاً من تغيير موقع الواقعة أو نقل المسؤولية إلى طرف آخر.

وطرح شرارة المقارنة مع وقائع أخرى شهدت تبادل الاتهامات بين أطراف الحرب بشأن الضربات والانتهاكات، داعياً إلى اعتماد التحقيق المستقل في تحديد المسؤوليات.

وتبقى هذه الإفادة موقفاً وتحليلاً صادراً عن ناشط، ولا تمثل وحدها إثباتاً مستقلاً لكل الاتهامات التي وردت فيها.

«تأسيس» يقدم رواية مختلفة

في المقابل، أصدر الناطق الرسمي باسم تحالف «تأسيس» أحمد تقد لسان بياناً في 2 أكتوبر تحت عنوان «بيان بشأن المجزرة الدموية للمواطنين في سودري».

وقال البيان إن أكثر من 23 مواطناً قُتلوا في سودري بعد سيطرة الجيش والقوات المتحالفة معه على المنطقة، واتهم القوات المسلحة وحلفاءها بتنفيذ عمليات قتل بحق مواطنين.

كما وجه البيان اتهامات أوسع إلى الجيش والقوات المتحالفة معه، وتحدث عن وقائع قال إنها تمثل نمطاً من الانتهاكات، وطالب بفتح تحقيق مستقل في الجرائم التي اتهم بها الجيش والقوات المساندة له.

لكن رواية «تأسيس» بشأن موقع الواقعة والمسؤولية عنها تتعارض مع ما تمكنت «السودان الآن» من التحقق منه؛ إذ تشير المادة المصورة التي جرى فحصها إلى أم بادر، كما يذكر التسجيل نفسه أم بادر وسوقها في سياق الحديث عن العملية.

وبذلك، فإن تحديد موقع الواقعة لا يبقى في هذا التقرير مسألة مجهولة، وإنما توجد رواية سياسية مضادة تحدد الموقع في سودري، مقابل المادة المصورة التي تحققت منها «السودان الآن» وتحدد الواقعة في أم بادر.

شبكة أطباء السودان : أكثر من 25

دخلت شبكة أطباء السودان على خط الواقعة ببيان صدر في 3 أكتوبر، قالت فيه إن الفيديو المتداول يوثق قيام عناصر من قوات الدعم السريع بإعدام أكثر من 25 مدنياً في أم بادر.

وهنا يظهر اختلاف آخر في الأرقام؛ فبينما يقول علي البلة في الفيديو إن العدد 23، تشير شبكة أطباء السودان إلى أكثر من 25.

وقالت الشبكة إن خطورة الواقعة لا تقتصر على القتل خارج نطاق القضاء، بل تزداد، وفق تقييمها، بسبب مؤشرات قالت إنها تشير إلى احتمال وجود دوافع إثنية، في سياق اتهامات للضحايا بالانحياز إلى القوات المسلحة.

وحذرت الشبكة من أن استهداف المدنيين على أساس إثني أو بناء على اتهامات غير مثبتة يمكن أن يهدد التماسك الاجتماعي ويغذي خطاب الكراهية. كما انتقدت تصوير عمليات القتل ونشرها والتفاخر بها، معتبرة ذلك مؤشراً على غياب المساءلة.

وطالبت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والآليات الدولية المختصة بإجراء تحقيق مستقل وشفاف، وتحديد الأشخاص المسؤولين عن عمليات القتل والإعلان عن نتائج التحقيق.

لماذا لا يمكن الجزم بعدد الضحايا ؟

تظهر في المواد المتاحة حتى الآن أربعة أرقام مختلفة :

– 23 شخصاً: العدد الذي ذكره علي البلة في الفيديو.

– 15 شخصاً: رقم ورد في جزء من حديث جعبيز السلامي.

– أكثر من 25 شخصاً: العدد الذي أوردته شبكة أطباء السودان.

– 27 عسكرياً: رقم ورد في تسجيل منفصل منسوب إلى عنصر بالدعم السريع في سياق اتهامات مختلفة لعلي البلة، ولا ينبغي الخلط بينه وبين حصيلة واقعة أم بادر دون دليل إضافي.

وهذه الأرقام لا يمكن جمعها أو التعامل معها باعتبارها حصيلة واحدة. ولكن وفقاً ما تمكنت «السودان الآن» من التحقق منه، هي أن الفيديو يوثق عملية قتل/إعدام لمحتجزين في أم بادر، وأن علي البلة الظاهر فيه يقول إن عددهم 23.

واقعة أم بادر في سياق أوسع

لا تأتي واقعة أم بادر في فراغ، إذ سبق أن وثقت منظمات حقوقية عمليات إعدام خارج نطاق القضاء وانتهاكات بحق محتجزين خلال الحرب السودانية.

وفي أغسطس 2024، قالت هيومن رايتس ووتش إنها حللت 20 مقطع فيديو وصورة واحدة توثق عشر وقائع، بينها أربع وقائع إعدام جماعي أو إعدام خارج نطاق القضاء شملت ما لا يقل عن 40 شخصاً.

وقالت المنظمة إن ثلاثة من هذه الوقائع صُورت بواسطة عناصر من قوات الدعم السريع، بينها إعدام ما لا يقل عن 21 رجلاً، وربما 23، في الفولة بولاية غرب كردفان في يونيو 2024.

وقالت المنظمة إن مقاطع الفولة أظهرت رجالاً محتجزين وغير مسلحين، بعضهم يرتدي ملابس عسكرية وآخرون ملابس مدنية، وإن عدداً منهم كانوا مقيدي الأيدي. كما وثقت المنظمة واقعة أخرى قالت إن عناصر من الدعم السريع أعدموا فيها 14 محتجزاً غير مسلح قرب مطار بليلة في غرب كردفان في أكتوبر 2023.

كما وثقت هيومن رايتس ووتش في 2025 مقاطع قالت إنها تظهر عناصر من الدعم السريع وهم ينفذون عمليات قتل خارج نطاق القضاء بحق أشخاص كانوا يحاولون الفرار من الفاشر، بينهم أشخاص يرتدون ملابس مدنية ومصابون، عقب سيطرة الدعم السريع على المدينة في أكتوبر 2025.

وفي 27 أكتوبر 2025، قالت الأمم المتحدة إن مكتب حقوق الإنسان تلقى تقارير متعددة عن إعدامات ميدانية وانتهاكات خطيرة بعد سيطرة الدعم السريع على أجزاء واسعة من الفاشر ومناطق في شمال كردفان، بينها تقارير عن إعدام مدنيين كانوا يحاولون الفرار وأشخاص لم يعودوا مشاركين في الأعمال القتالية.

بين الفيديو والتحقيق

في حالة أم بادر، يوفر الفيديو مادة يمكن فحصها من حيث المكان والزمان والهوية وتسلسل الأحداث، وهو ما سمح لـ«السودان الآن» بالتحقق من موقع الواقعة وهوية علي البلة.

لكن الفيديو، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحديد الحصيلة النهائية للضحايا من دون مطابقة المشاهد مع معلومات ميدانية أو سجلات محلية أو شهادات أسر الضحايا أو مصادر مستقلة أخرى.

كما أن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية يتطلب تحقيقاً يحدد هوية جميع المشاركين، والأوامر التي صدرت، وظروف الاحتجاز، وما إذا كان الضحايا قد شاركوا في أعمال قتالية أو ارتكبوا جرائم، وهي مسائل لا يمكن حسمها بمجرد الاتهامات المتبادلة في التسجيلات.

وتزداد أهمية هذا التحقيق في ظل ظهور روايتين متعارضتين بشأن المسؤولية : الأولى، مدعومة بالمادة المصورة التي تحققت منها «السودان الآن» وتسجيلات تنتقد علي البلة من داخل الدعم السريع، وتضع الواقعة في أم بادر؛ والثانية، التي قدمها تحالف «تأسيس»، وتنسب الواقعة إلى الجيش وتحددها في سودري.

وفي الوقت نفسه، فإن اختلاف الأرقام بين التسجيلات والبيانات الحقوقية يجعل عدد الضحايا من أكثر عناصر الواقعة حاجة إلى تحقق مستقل.

وتبقى الأسئلة الأساسية التي تحتاج إلى إجابة عبر تحقيق مستقل : من هم الأشخاص الذين ظهروا في الفيديو ؟ هل كانوا مدنيين أم مقاتلين أم محتجزين على خلفية اتهامات جنائية ؟ كم شخصاً أُعدم فعلياً ؟ من أصدر الأوامر ؟ ومن نفذها ؟ وهل توجد مواد مصورة إضافية أو شهادات أو أدلة ميدانية يمكن أن تحدد التسلسل الكامل للواقعة ؟

وحتى الوصول إلى هذه الإجابات، فإن الثابت وفق ما تمكنت «السودان الآن» من التحقق منه هو وقوع عملية الإعدام المصورة في أم بادر وظهور علي البلة فيها بعد التحقق من هويته، بينما يظل عدد الضحايا الفعلي غير محسوم بصورة مستقلة.