[quote]وهل يمكن إختطافها؟[/quote]

 

ياسر عرمان ومحاولة إعادة إنتاج الأزمة السودانية

إبراهيم خاطر مهدي

لقد قامت الكثير من الثورات في تاريخ البشرية؛ منها ما وُفِق في إنجاز مشروع التغييرومنها ما فشل. ولأنه عادةً ما يكون مشروع الثورات مرتبطاً بتحقيق العدالة الإجتماعية، فإن الفشل عادةً ما ينتج عن إختطاف الثورة بواسطة جماعات لا علاقة لهم بالغايات المتعلقة بأهداف ومبادئ الثورة ولا بمشروعها الفكري التحرري؛ أو لإخفاق المخلصين، وذلك بإرتكاب أخطاء في الممارسة أو تحولهم الي نخبة أوليغارشية؛ تتصرف بإسم الجماهير ولكنها لا تخدم في الواقع إلا مصالحها التي لا تتماشي مع مصالح الجماهير الحقيقية. وهنا تصدق مقولة “الثورة تأكل بنيها.” وهو الأمر الأخطر علي الثورات من فعل أعدائها.

وتعتبر الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، أحد الثورات العظيمة والعملاقة في التاريخ الأفريقي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، في الماضي أو الحاضر؛ بعد تمييزها بإضافة كلمة (شمال). فياتري لماذا، وهل يمكن إختطافها، وما دور الرفيق ياسر عرمان في ذلك؟.

أولاً/ لماذا الحركة الشعبية والجيش الشعبي؟

الإجابة علي السؤال أعلاه، بشكل بديهي هي : لتحرير السودان طبعاً، أما جوهر ومضمون الفعل الثوري فيكمن في الإجابة علي السؤال التالي: تحرير السودان من ماذا؟ وهذا ما يقودنا الي مفهوم الإستعمار. فهل حقاً هناك إستعمار في السودان يستدعي قيام ثورة للتحرر الوطني؟. للإجابة علي هذا السؤال لأبد من الرجوع الي، نظرية ما بعد الإستعمار؛ والتزود بمفهومين أساسيين نرتكز عليهما في تحليل المسألة، هما، (الاستعمار الداخلي وال كومبرادور):

أ/ الإستعمار الداخليInternal Colonization : بصرف النظر عن السياقات البحثية لدراسات النسوية، التي تُعتبر ضمن المعارف التي ترتكز عليها نظرية ما بعد الإستعمار؛ وذلك من خلال وجهة نظرها (Insight) الخاصة بمفهوم الإستعمار الداخلي من خلال علاقات (سائد ومسود) بالنسبة لوضعية المرأة في المجتمعات البطرياركية، وما يترتب علي ذلك من إستغلال، إلا أنه يمكن الإستفادة من وجهة النظر تلك، في تفسير علاقات الإستعمار الداخلي بشكلٍ عام، ووفقاً ل (د. شريف حرير) و (سيرجي ثيدوت) في كتاب (السودان النهضة أو الإنهيار) الذي أشرنا إليه من قبل، فإن الإستعمار الداخلي يعني؛ سيطرة فئة إجتماعية محلية بعينها من خلال تحالفها مع الإستعمار المباشر والإستفادة منه (مادياً ومعنوياً) لتحقيق سيطرتها الداخلية، ووفقاً لهما، فإن النخبة النيلية هي عبارة عن مستعمر داخلي، حيث يخلق الإستعمار دائما طبقة، وفي بعض الدول التي تتعدد فيها القوميات، تسيطر إحدى هذه القوميات على الدولة وتصبح مجرد بديل للإستعمار، ويحدث الغلاط بعد ذلك، بمنطقهم: (بما أننا من هذه الدولة فنحن لسنا بمستعمرين)، بصورة تجافي المنطق السليم الذي يثبت أن تلك القومية المسيطرة بعد الإستعمار تقوم بكل ما كان يقوم به الإستعمار بل وأسوأ؛ وذلك من خلال فرض توجهاتها الخاصة علي بقية القوميات التي تتشارك معها مفهوم الوطن.

ب/ الـ (كومبرادور) (Comprador): في نظرية ما بعد الإستعمار (Post – Colonial Theory) جاءت كلمة الكومبرادور من كلمة برتغالية؛ وتعني السماسرة الذين يقومون بتوصيل البضائع من الموردين الأجانب إلى التجار المحليين، حيث تم أستخدام الكلمة بشكل إصطلاحي وفقاً لمنظِري ما بعد الإستعمار، لتعني: (الطبقة أو الشريحة أو الجماعة التي تتعاون مع المستعمر وتعيش في ظله وتكبر وتتمدد بمرور الوقت، وعندما يخرج المستعمر يقوم بتسليمها السلطة في الدولة وتظل علاقة الإستغلال السياسي والإقتصادي مستمرة ومرعية ومحفوظة بواسطة ذلك الكومبرادور)، وهم المستفيدين من الدولة في واقع الأمر، وفي نموذجنا السوداني فالحقائق التاريخية تشير الي أن؛ أغلب الذين صعدوا في الدولة السودانية بعد خروج المستعمر، كانوا من الذين لديهم إشكالات مع الخليفة عبد الله تورشين، وكلهم كانوا من أولاد البحر، وأنصع مثل للكومبرادور في السودان؛ يمثله عبد الرحمن المهدي تاريخياً؛ الذي كان يأكل من بيت المال، ولكن عندما قدم فروض الولاء والطاعة للإنجليز وقام بتسليم سيف المهدي عربون لذلك الولاء، تم منحه قرض إنشاء الخزان؛ فجمع الأنصار وبنوا الخزان وبعد ذلك صار أغني أغنياء السودان في ذلك الوقت، وأصبح يتحدث عن أنه حرر السودان، والصادق المهدي في الراهن يعتبر الكومبرادور المدلل والوريث الشرعي للمهدية بعد تصفية أبعادها الثورية وتحويلها الي نخبة أوليغارشية من أبناء المهدي تخدم مصالحها الخاصة بإسم جموع الأنصار. فكيف يُعقل لكومبرادور مثل الصادق المهدي أن يقوم بمهام التحرير نيابة عن المهمشين؟.

وأيضا يمكن قياس ذلك بوضع السيد علي الميرغني الذي جاء مع المستعمر التركي في حملته لإستعمار السودان، وما بناه من ثروات نتاج لتلك العلاقة، وما تلي كل ذلك من تكوين لتنظيمات سياسية تشكلت من وسط وشمال السودان النيلي وفقاً لأيديولوجيا السيطرة الإسلاموعروبية، أو المتوطئين معها.

وفقاً للمفهومين أعلاه، لا أحد يستطيع نفي الإستعمار الواقع علي الشعب السوداني من فئة إجتماعية بعينها أسميناها في أدبياتنا الثورية؛ ب (مؤسسة الجلابة) وهي مؤسسة إقتصادية، سياسية وإجتماعية، أنتجت ما نسميه بالسودان القديم، وهذا النوع من السودان هو الذي تستهدفه الثورة بغرض تفكيكه وبناء السودان الجديد علي أنقاضه، لكن لماذا؟ هل مزاج ساكت أم أن هناك أمراض أساسية تستدعي ذلك التفكيك لإستئصالها ومن ثم التركيب أوالمعالجة، وفقاً لأهداف ومبادئ الثورة وعبر رؤيتها وآلياتها المعتمدة والمجربة علي مدار أكثر من ثلاثة عقود؟

ذكرنا من قبل وفي مواقع متعددة، أن هناك أمراض، أسميناها أمراض السودان القديم، وهي السبب الأساسي في إشتعال نيران الحروبات الأهلية في السودان، منذ العام 1955م والي الآن 2018م، ومازالت تلك الأمراض موجودة، وتتطلب العلاج الجذري، وهي:

أ/ الهوية الأحادية الإقصائية:

الدولة السودانية حاولت وما تزال تحاول أن تختزل هوية البلاد في العروبة والإسلام، وحتى الإسلام تريد أن تختزله في التفسير العروبي. إن العروبة، في رؤية السودان الجديد، هي جزء لا يتجزأ من السودان، كما أن الإسلام بشتى أنماطه هو جزء لا يتجزأ من السودان، ولكن ليس أياً منهما هو كل السودان. كما أن ربط الإسلام بالعروبة هو خطأ يتم تبريره لأغراض سياسية؛ فليس هناك أي سبب يدعو الإنسان للإعتقاد بأن إسلامه لا يتم إلا بأن يصبح عربيا أو يتبنى الثقافة العربية أو اللغة العربية؛ فالغالبية الساحقة من المسلمين في هذا العالم، في ماليزيا وإيران وتركيا ونيجيريا والبوسنة والهرسك، وأماكن أخرى كثيرة، هم ليسوا عربا ولا يتبنون الثقافة العربية أو الأنساب العربية أو اللغة العربية دون أن ينقص ذلك من تمام إسلامهم شيء. إن ما يحدث في السودان هو عملية استغلال للدين لفرض هوية عرقية على المواطنين.

ب/ التهميش

بالإضافة لمشكلة الهوية التي تمارس فيها الدولة التهميش الإثني الثقافي عبر سياسات الأسلمة والإستعراب، فإنها ظلت تمارس التهميش التنموي بتركيز السلطة والثروة في أيادي نخب تنتمي إلى جماعات عربية مسلمة في وسط وشمال السودان مما أدى إلى النمو غير المتوازن بين الإثنيات من جهة والأقاليم من جهة أخرى ـ فيما يعرف بالتنمية غير المتوازنة.

ج/ إستناد الدولة على مشروعية العنف:

وبعد ذلك ظلت الدولة تحاول أن تفرض وتحرس هذه الأوضاع المختلة بالقوة من خلال استخدام الأجهزة النظامية، الأمر الذي أدى إلى نشوب الحروب الأهلية في كل جهات السودان (دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، وشرق السودان، وقبل ذلك جنوب السودان قبل الإستقلال وتكوين دولته المستقلة).

كل هذه الأمراض مجتمعة أدت الي إنفجار الثورة في السودان، أبتداءاً بحروب الجنوب ماقبل وبعد الإستقلال (1955 – 1958). الحروب فى ظل حكومة عبود (1958 – 1964). الحروب بعد ثورة أكتوبر (1964 – 1969). الحروب فى ظل نظام مايو (1969 – 1983). حرب الجنوب الثانية – الحركة الشعبية 1983م. الحرب فى جبال النوبة – 1985م. الحرب فى جنوب النيل الأزرق- 1986م. الحرب فى دارفور – 1990م وتجددها في العام 2003م وظلت مستمرة حتي الآن. الحرب فى شرق السودان – 1997م.

ولنفس الأسباب التي قادت الي الحروبات أعلاه، تجددت الحرب مرة أخري في منطقتي (جنوب كردفان/ جبال النوبة، والنيل الأزرق) في العام 2011م ، لتضاف للحرب المشتعلة أصلاً في دارفور.

ولكيما تنجز الحركة الشعبية، التغيير الشامل الذي يخاطب بنية الدولة المأزومة ويقدم الحلول اللازمة، قدمت رؤية السودان الجديد (كمشروع فكري سياسي) يهدف الي إعادة بناء السودان علي أسس جديدة، وتلك الأسس هي: (الحرية، العدالة، المساواة، والوحدة الطوعية).

حيث كان ومازال؛ الهدف الإستراتيجي والجوهري من كل النضالات والتضحيات التي قدمتها الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ في كافة وثائقها الرسمية، هو: (بناء سودان جديد علماني ديمقراطي موحد) وإن تعذر ذلك فحق تقرير المصير للقوميات المهمشة في السودان. والآلية الإستراتيجية لتحقيق ذلك، هي: (الكفاح المسلح طويل الأمد)، وهذا ما يفسر مقولة “النضال مستمر” في أدبياتنا الثورية، مع العلم بأن هناك فرصة لمن فتر أن ينزل من قطار الثورة، فلماذا يستهدف الرفيقين مالك عقار وياسر عرمان تلك الآلية الأساسية لنضال الهامش عبر دعاوي النضال السلمي (مخاتلة النفس وخداع الغير).؟

ثانياً/ هل يمكن أختطاف الحركة الشعبية؟:

نعم، يمكن إختطاف الثورة، ونظرة تأملية بسيطة علي تجارب الثورات توضح ذلك بجلاء. وبما أن الحركة الشعبية هي ثورة تحرر وطني؛ فهي ليس إستثناءاً عن ذلك التاريخ وبالتالي ستكون عُرضة لمحاولات الإختطاف، وأوضحنا ذلك بالتفاصيل المملة في مقال سابق بعنوان: (مفهوم الثورة) وحددنا أن هنالك فئات بعينها يمكن أن تقوم بمهمة الإختطاف هذه، وهي:

أ/ جماعات لا علاقة لهم بالغايات المتعلقة بالعدالة الإجتماعية، وأخطرهم، صنفين:

1- الإنتهازية: وهم الذين يحاولون حرف الثورة عن خطها السياسي وخطابها الموضوعي وأهدافها ومبادئها التي قامت من أجلها، لتحقيق مكاسب ومصالح ذاتية بإسم الجماهير.

2- العملاء: وهم مأجورين ترسلهم جهات معادية لمشروع الثورة للانخراط فيها ومن ثم الإنقضاض عليها من الداخل متي مالزم الأمر وتوفرت ظروفه الموضوعية.

ب/ إخفاق المخلصين:

وذلك بإرتكاب أخطاء في الممارسة أو تحولهم الي نخبة أوليغارشية، تتصرف بإسم الجماهير ولكنها تخدم مصالحها التي لا تتماشي مع مصالح الجماهيرالحقيقية، وهو الأمر الأخطر علي الثورات من فعل أعدائها.

ولكيما تنجح ثورة السودان الجديد، التي تقودها الحركة الشعبية لتحرير السودان، لابد من التمسك بالأبعاد الأخلاقية للثورة، والتي تستمد منها مشروعيتها ودوافعها للإستمرار، وأهمها إثنان:

1- المبادي والأهداف التي تشكل أحلام الجماهير.

2- التضحية من أجل تحقيقها.

وذلك لا يتم إلا ببناء حركة تحرر وطني حقيقية تنطلق من أرضية فكرية صلبة وفقاً لمشروع السودان الجديد، لأنه من أجل الحرية والعدالة والمساواة والوحدة الطوعية، قامت ثورة السودان الجديد، ودفعت ثمناً غالياً من التضحيات؛ دفعت ما يفوق المليونين من الشهداء وأضعاف ذلك من ملايين النازحين واللاجئين، من بينهم الأيتام والأرامل. ثم هناك الممسكين بجمرة الإنتظار من المهمشين، الذين بإسمهم تنشأ المناصب وإمتيازات السلطة والثروة التي تأتي بإسم السودان الجديد. هؤلاء المهمشين هم أكبر مصدر للقوة القتالية في الحرب، وللقوة الإنتخابية في السلم، وهم بالتالي مصدر مشروعية أي منصب أو إمتياز يأتي بإسم مشروع السودان الجديد، عليه يصبح العمل لمصلحة المشروع هو الشرط الأهم لحيازة أي فرد أو مجموعة من الأفراد لأي موقع تنظيمي أولمكسب أو إمتياز في السلطة أو الثروة، وإن أي إنحراف للعمل من أجل المصلحة الشخصية دون مصلحة المشروع يعتبر كذب علي جماهير السودان الجديد وخيانة لدماء الشهداء ولآلام النازحين واللاجئين والأرامل والأيتام وللإنسانية.

وبناءاً عليه، هناك متطلبات عامة يجب مراعاتها في العمل من أجل إنجاز مشروع السودان الجديد،هذه المتطلبات ثلاثة، هي: الإلتزام بروح الإرادة الشعبية، الشفافية، والمحاسبة.

أ/ الإلتزام بروح الإرادة الشعبيةPublic Will :

بإعتبار أن الإرادة الشعبية هي مصدر القوة في الحرب وفي السلم، ومصدر المشروعية، فالثورة لكي ما تصل الي غاياتها لابد من الإلتزام بروح هذه الإرادة، وذلك لا يتأتي إلا بوضع برامج وسياسات واضحة تفصل المبادي والأهداف الواردة في المنفستو، والألتزام بتنفيذها وإذا استعصي الأمر وجبت التضحية من أجل ذلك، وتتمثل تلك التضحية بعزل القائمين علي أمر التنفيذ في حالة الإخفاق ومحاسبتهم وإختيار البدائل. لذلك تعتبر روح الإرادة الشعبية هي صمام الأمان في حال الإلتزام بها، فمن يتقدم لأي منصب مطالب في المقام الأول بإقناع الجماهير، فإن لم يوف بذلك دون أسباب وجيهة من المعروف أنه يُحاسب ويُعزل، وهذه العملية هي في الواقع الوسيلة الوحيدة في الأنظمة الديمقراطية للحفاظ علي الحد الأدني من مصالح الشعب.

ب/ الشفافيةTransparency :

بالرغم من أن الشفافية أمر ضروري في الممارسة السياسية، إلا أنها لا تتوفر بسهولة حتي في الأحزاب ذات الطابع الجماهيري الديمقراطي، ومن ضمن العقبات التي تعوق ممارسة الشفافية، هي: إستبداد القيادة وسلبية جماهير القاعدة. وهناك إحتمالين لإستبداد القيادة، الأول هو الفساد والذي بطبيعته يتناقض مع الشفافية، وأحياناً قد لا تكون القيادة فاسدة لكن إبتعادها عن الجماهير يفتح الباب للفساد غير المباشر عبر آليات غياب الشفافية ويعطي الفرصة للإنتهازيين والمتملقين وكساري التلج ومدبجي التقارير المزيفة التي تضلل القيادة، لأن يغلبوا مصالحهم الشخصية علي متطلبات المشروع. والإحتمال الثاني لإستبداد القيادة ينتج من سلبية جماهير القاعدة، ولهذه السلبيه أسباب عديدة في مثل مجتمعاتنا الحالية، وأهمها: أن بعض الناس لا يرون في الفساد والمحسوبية عيباً، أو خوف بعض الناس من القادة لمبررات كثيرة، أو ضيق الأفق السياسي. علي كلٍ يبقي مبدأ الشفافية من أهم عناصر مشروع السودان الجديد، لأنه الشرط الأساسي لمكافحة الفساد بكافة أنواعه، سواءً بالإجراءات الإستباقية أو المحاسبة.

ج/ المحاسبةAccountability :

إن المحاسبة آلية ضرورية لضبط الآداء والحفاظ علي مكتسبات الثورة، وضمان المضي قُدماً نحو مبادئ وأهداف وغايات المشروع. إذ أنها تتطلب القدر الكافي من الشفافية واللوائح الواضحة الصارمة وسهولة الإجراءات. فبدون الشفافية لا يكون هناك إمكانية للمحاسبة. وإذا لم تُوضع لوائح واضحة وصارمة مصحوبة بسهولة في الإجراءات تستحيل عملية المحاسبة في حالات التقصير أو الفساد الأمر الذي يؤدي الي تعويق مشروع الثورة – السودان الجديد.

عقبات في طريق مشروع السودان الجديد/ مشاكل الحركة الشعبية:

ننطلق في هذا المقال من فرضية أساسية، هي أن الأسباب الأكثر أهمية في الإخفاقات التي شابت عمل الحركة الشعبية خلال الفترة الماضية هي أسباب داخلية، لأن الأسباب الخارجية مفهومة ومن البديهي أن يعمل معارضي أي تنظيم علي تعويق مشروعه، وبالتالي يجب علي هذا التنظيم علي أن يعمل علي إحتواء هذه المعوقات دون أن يحاول إلقاء كل اللائمة علي معارضيه. وتتلخص أهم، وليس كل، المشكلات الداخلية في الحركة الشعبية في الآتي:

1) تغييب الإرادة الشعبية: وذلك من خلال الفوقية التي تصاحب إصدار القراراتTop down.وطالما أن الأمر يتعلق بالحركة الشعبية – شمال؛ فدعنا نتتبع جزء من تلك الإشكالات من خلال الممارسة السياسية والتنظيمية قبل الحرب وبعده، ومن هو المسؤل عنها:

أ/ ظهرت الإشكالات التنظيمية الحادة بعد تولي الرفيق/ ياسر سعيد عرمان منصب نائب الأمين العام ومسؤل قطاع الشمال في الحركة الشعبية، وتمثلت تلك الإخفاقات بشكل أساسي في تغييب الإرادة الشعبية، وذلك من خلال إجراءات البناء التنظيمي بشكل ديمقراطي، وبرزت الإشكالية للسطح نتيجة لعزل الرفيق ياسر عرمان لبعض المنتخبين من قبل القواعد بشكل ديمقراطي وتعيين آخرين في مكانهم وفقاً لأهوائه الشخصية، حيث كانت جزء من مبرراته المعلنة هي توطين الحركة الشعبية في الشمال.

ب/ تجاوز الأمر كل الأعراف السياسية حين بدأت بعض الأصوات تنبه الي أن هنالك محاولة من الرفيق ياسر سعيد عرمان لبناء تنظيم موازي داخل تنظيم الحركة الشعبية (وهذا ما يمكن تسميته بإختطاف الثورة) وذلك من خلال الإستعانة بعناصر من غير عضوية الحركة الشعبية؛ وليس لديه أي علاقة بمشروع السودان الجديد ولا أهداف ومبادي الحركة الشعبية. وكانت أصابع الإتهام تشير الي عناصر من اليسار السوداني، الذين يمكن تسميتهم بالضالين من الحزب الشيوعي السوداني (غير الملتزمين تنظيمياً) بشكل خاص.

ج/ تلك الفوقية والإستبداد القيادي الذي صاحبها كانت نتيجتها هي ضعف الآداء في كافة المستويات السياسية، التنفيذية، والتشريعية، علي طول تجربة قطاع الشمال. فعلي المستوي السياسي صارت المكاتب لا تقوم بأي عمل سياسي يُشار إليه إلا في المناسبات مثل المهرجانات والإحتفالات الموسمية، أما علي المستوي التنفيذي، فيشكو الكثير من أعضاء الحركة من تماهي ممثلي الحركة الشعبية في الوضع القائم دون أن يلمس الأعضاء أي أثر لممثليهم في الحكومة الإنتقالية بكافة مستوياتها، بل الأدهي أن الكثير من هؤلاء استغلوا مناصبهم للإستعلاء علي جماهير القاعدة، وكذلك الأمر علي المستوي التشريعي حيث يغيب صوت ممثلي الحركة الشعبية وكأن لا وجود لهم في البرلمانات التي هم فيها.

2) الفساد: لا أحد يدري أين ذهبت أموال التنظيم الخاصة بالإنتخابات (ناهيك عن الأصول المتحركة وأموال التسيير الأخري) وهذا ما أشار إليه د. أبكر آدم إسماعيل؛ في مقالاته المعنونة ب (مادار وما يدور داخل الحركة الشعبية) مما يشير بشكل واضح الي فساد القيادة.

3) غياب الشفافية بشكل كامل في كل مؤسسات القطاع والسبب هو إستشراء الفساد والمحسوبيات والعمل بشكل إنتقائي خارج الهياكل (الإستبداد القيادي وسلبية الجماهير).

4) تجاهل إنشاء أجهزة إعلامية فاعلة أو تطوير مدارس لبناء الكادر فكرياً وسياسياً (وهذا ما أشرنا إليه بالتفصيل في مقال سابق) والغرض منه ربما كان لإفساح المجال لكوادر أخري معدة سلفاً لمهمة الإختطاف.

5) التكالب علي المناصب والإلتفاف حول القيادة عبر الشلل واللوبيهات (الأوليغارشية).

6) غياب المحاسبة.

كل تلك الإشكالات الداخلية وغيرها، قادت الي شلل تام ضرب كافة قطاع الشمال وإستمر كذلك الي أن جاء قرار فك الإرتباط بين الحركة الشعبية قطاع الشمال وقطاع الجنوب، في 15 فبراير 2011م، وبموجبه أصبح الرفيق ياسر عرمان المسؤل التنفيذي الأول في الحركة الشعبية- شمال، بحكم موقعه التنظيمي كأمين عام وذلك بعد إضافة ولايتي جنوب كردفان/ جبال النوبة، والنيل الأزرق لولايات القطاع الأخري.

عمل الرفيق ياسر عرمان ومن موقعه التنظيمي كأمين عام للحركة الشعبية – شمال، علي ترحيل بنية الإشكالات السابقة في تجربة قطاع الشمال الي؛ الحركة الشعبية – شمال، دون أي معالجات تُذكر الي أن إندلعت الحرب الثانية في جبال النوبة في 6 يونيو2011م، وبعدها إنتقلت الي النيل الأزرق، واستمر الأمر كذلك بين تعنت الرفيق ياسر عرمان كأمين عام للحركة وعدم رغبته في أي إصلاحات تنظيمية داخلها عبر قيام مؤتمر عام إستثنائي، ومساندت الرفيق مالك عقار له ومن موقعه كرئيس للحركة الشعبية؛ هذا من جانب، وتصاعد الخلافات والتزمرات والإنتقادات الحادبة والمعادية من قبل بعض العضوية؛ لقمة الهرم القيادي تحت مسمي (القيادة الثلاثية) من جانب آخر، وإستمر الحال علي ماهو عليه حتي إستقالة الرفيق – الفريق/ عبد العزيز آدم الحلو، وما قادت إليه من تحولات جذرية داخل الحركة الشعبية –شمال، عن طريق قرارات مجلسي إقليم جبال النوبة والنيل الأزرق.

المعالجات:

بالرغم من ما آل إليه الوضع، وأفضي الي الكثير من الإحباطات واليأس والإنزواءآت وإنفضاض عدد كبير لا يستهان به من مناصري الحركة الشعبية وعضويتها وإشتداد الإنتقادات، إلا أن الأمر يمكن تداركه إن صدقت النوايا، وتتلخص المعالجات في ثلاثة شروط أساسية:

– الإلتزام بروح الإرادة الشعبية.

– الشفافية.

– المحاسبة.

وهذه الشروط الثلاث؛ لا يمكن تنفيذها في الهواء، وبالتالي لابد من وجود مؤسسات منتخبة ديمقراطياً عبر الإرادة الحرة لجماهير القاعدة، للقيام بتنفيذ تلك الشروط، وهذا مالم يتحقق طوال تجربة الحركة الشعبية منذ أن كانت قطاع الشمال، وتحولت الي الحركة الشعبية- شمال، إلا بعد قرارات مجلسي إقليم جبال النوبة والنيل الأزرق الخاصة بإقالة رئيس الحركة الشعبية- شمال، الفريق/ مالك عقار إير، وأمينها العام الفريق/ ياسر سعيد عرمان، وماقادت إليه من إنعقاد للمؤتمر العام الإستثنائي وإجازة المنفستو والدستور، وإنتخاب المؤسسات، وهذه خطوة كبيرة في الطريق الصحيح نحو غايات المشروع، علي الرغم من ما شابها من نواقص، ويمكن التأسيس عليها من خلال تلافي أوجه القصور التي شابتها وتفعيل تلك المؤسسات المنتخبة.

عليه؛ أعلن تأيدي لتلك القرارات وما قادت إليه من تحولات جذرية في بنية الثورة، قطعت الطريق أمام الإنتهازية والأوليغارشية الذين تأكدت خيانتهم للمشروع ودماء الشهداء ولآلام الأرامل والأيتام والمعوقين وجماهير الهامش، وثبتت نواياهم الهادفة الي إختطاف الثورة، وتسليمها للإعداء مقابل الحصول علي إمتيازات شخصية بإسم المشروع. ولا يفوتني أن أتقدم بإعتذار لكل الذين اختلفنا معهم في الفترة الماضية نتيجة لتقديرات خاطئة هنا وهناك؛ وعلي رأسهم رفيق الدرب د. أبكر آدم إسماعيل، الصديق والرفيق/ عمار نجم الدين جلك، والرفيق/ علي السني، وغيرهم، فلكم جميعاً العتبي حتي ترضوا، لأن الغاية من كل ذلك كانت دفاعاً عن الثورة ووحدة الرفاق.

ختاماً:

من خلال موقفي حيال الأزمة، والمتعلق بضرورة وحدة الحركة الشعبية، عملت جنباً الي جنب مع كل من الرفيقين، الفريق/ مالك عقار إير، والفريق/ ياسر سعيد عرمان؛ أكثر من ثمانية أشهر إعتباراً من سبتمبر 2017م الي مايو 2018م، ولأول مرة منذ إنضمامي للحركة الشعبية في العام 2003م أجد متسع من الوقت لفحص كل التهم المتعلقة بأداء الرفيقين في قيادة الحركة الشعبية – شمال سابقاً، وبالفعل تأكد لي بما لا يدع مجالاً للشك بأن معظم التهم السابقة التي أدت الي تزمر القواعد وقادت الي إندلاع الثورة التصحيحية بعد قرارات مجلسي تحرير جبال النوبة والنيل الأزرق هي صحيحة بالتمام والكمال، وبالتالي السليم في الأمر هو عزلهم ومحاسبتهم.

وأخطر مافي الأمر هو محاولة إختطاف الثورة وذلك من خلال حرف مسارها الأساسي وتغيير هدفها الإستراتيجي الداعي الي بناء سودان جديد علماني ديمقراطي، أو حق تقرير المصير للقوميات المهمشة في السودان، ومن ثم تقليم أظافرها من خلال محاولاتهم السابقة والحالية الداعية لتجريدها من أهم آلية من آليات تحقيق السودان الجديد ألا وهي الكفاح المسلح طويل الأمد؛ عن طريق بيع الجيش الشعبي لتحرير السودان وتزويبه قبل الوصول لأي حل سياسي؛ تمهيداً لإبتلاعها بالكامل وهضمها.

وهذه المسرحية العبثية التي تجري الآن بمشاركة الصادق المهدي ولاعبين دوليين آخرين، إذا قُدِر لها أن تكتمل فصولها فذلك يعني تقويض نضال المهمشين في السودان وتمليك زمام أمرهم دون ثمن الي مؤسسة الجلابة (السودان القديم) الذي أنفجرت الثورة ضدها، وذلك من خلال تحويل هدف النضال الي الإنتخابات (التي نعتبرها أكبر أكذوبة لتضليل المهمشين في السودان) والتي يمكن وصفها بحسب أمثال قبيلة المسيرية (لحم في ضهر مرفعين) دون مخاطبة جوهر الأزمة التي قادت الي إندلاع الحرب، وكل ذلك الغرض منه إعطاء مشروعية للنظام القائم عبر إنتخابات 2020م والذي يسميه البعض بسياسة الهبوط الناعم، وهو ما أسميناه في عنوان المقال بمحاولة ياسر عرمان لإعادة إنتاج الأزمة السودانية.

وأنا الآن أعلن موقفي الرافض لتلك الجريمة التاريخية التي تُرتكب بإسم الثورة والمهمشين في السودان، وأنبه غيري من المخلصين الذين يشاركون في هذه الجريمة دون وعي منهم، الي الإنتباه لتلك الخديعة التي تُعد فصولها علي نار هادئة، والتي لا يمكن أن تقود بأي حال من الأحوال الي سلام حقيقي في السودان وأيضاً لا يمكن أن توقف الحرب، بل ربما تقود الي إنفجارها بشكل أكبر مستقبلاً.

أخيراً؛ إن مايسمي بالحركة الشعبية – قيادة الرفيق مالك عقار، لا وجود لها في الواقع؛ قياساً علي أهداف ومبادي الثورة وآلياتها ورؤيتها الداعية لبناء سودان جديد علماني ديمقراطي موحد، أو حق تقرير المصير للقوميات المهمشة في السودان، وكل ماهو موجود عبارة عن طموح مريض لياسر عرمان ينطلق من أوهام الترشح للإنتخابات الصورية عبر المسرحية الهزلية التي تُعد فصولها في أروقة نداء السودان برئاسة الصادق المهدي، ويسانده في ذلك تكتل كبير من مختطفي الثورات (اليسار الضال) وقليل من إنتهازية الهامش (الموالي الجدد)…، وبعض المخلصين (الغافلين) الذين يمكن أن تنفتح بصيرتهم في مقبل الأيام وترك الجري خلف السراب وتحديد مواقف مشرفة تجاه الثورة.

النضال مستمر والنصر أكيد

إبراهيم خاطر مهدي

30 مايو 2018م.