الخرطوم – السودان الآن | 9 أكتوبر 2026
قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن نحو 2.5 مليون شخص عادوا إلى ولاية الخرطوم، لكن تضرر المنازل وارتفاع تكاليف المعيشة ونقص الخدمات وفرص العمل تهدد استقرار العائدين، وقد تدفع بعض الأسر إلى النزوح مجدداً أو مغادرة السودان.
وأوضحت المفوضية، في تقرير «العودة إلى الخرطوم» لشهر أغسطس 2026، أن الولاية تشهد عودة واسعة تتزامن مع مؤشرات تعافٍ محدودة، بينها تأهيل أجزاء من شبكة الكهرباء واستئناف بعض الخدمات العامة، بينما لا تزال العقبات أمام استعادة الحياة الطبيعية كبيرة.
وتصدرت محلية بحري أعداد العائدين بنحو 633 ألف شخص، تلتها أمبدة بنحو 528 ألفاً، وشرق النيل بـ417 ألفاً، وجبل أولياء بـ387 ألفاً، وأم درمان بـ318 ألفاً، ومحلية الخرطوم بـ142 ألفاً، وكرري بـ87 ألفاً، وفق خريطة البيانات الواردة في التقرير.
وكان عدد سكان ولاية الخرطوم قبل الحرب يبلغ نحو 9.4 مليون نسمة. وأدت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، التي اندلعت في أبريل 2023، إلى نزوح أعداد كبيرة من سكانها وتضرر المنازل والأسواق وشبكات الخدمات، ما جعل العودة مرتبطة بقدرة الأسر على تأمين السكن والدخل والعلاج.
وبحسب المفوضية، ارتبطت قرارات العودة بتداخل ظروف النزوح الصعبة مع تصورات عن تحسن الأوضاع في مناطق العودة. غير أن بعض الذين شملتهم المقابلات، خصوصاً العائدين من ليبيا وبعض القادمين عبر الحدود المصرية، ربطوا قرارهم بضغوط الحياة في النزوح أكثر من تحسن الظروف في مناطقهم الأصلية.
وأظهرت بيانات الرصد الحدودي عودة أكثر من 55 ألف شخص من مصر إلى السودان خلال يوليو، عبر رحلات ذاتية وأخرى مدعومة، فيما أشارت المقابلات إلى أن الخرطوم كانت الوجهة الرئيسية للعودة.
ووصف عائدون رحلات مرهقة بدنياً، تخللها التعرض للحر الشديد ونقص الخدمات على الطرق. ولم تكن لدى بعضهم موارد كافية لمواصلة السفر من نقاط الوصول إلى أحيائهم، بينما ظل النقل اللاحق والدعم المادي الفوري محدودين.
وحدد التقرير السكن بوصفه أحد أبرز التحديات، إذ وجدت أسر منازلها منهوبة أو متضررة أو مدمرة. وتعيش بعض الأسر في غرف قليلة تمكنت من إصلاحها، بينما تقيم أخرى في بيوت بلا أسقف أو تنام في العراء داخل قطعها السكنية لعدم قدرتها على تحمل تكاليف التأهيل.
وتُجرى بعض الإصلاحات بمواد محلية وبجهود أفراد الأسر، بمن فيهم أشخاص لا يملكون خبرة في البناء، ما قد يخلق مخاطر على السلامة. وحدد العائدون المساعدات النقدية ومواد التسقيف المتينة، خصوصاً ألواح الزنك، ضمن احتياجاتهم ذات الأولوية.
كما لجأت أسر إلى السكن مع الأقارب في منازل مكتظة أو استئجار مساكن يصعب استمرار دفع إيجاراتها. وأشار التقرير إلى مخاوف من الإخلاء والنزوح مجدداً، وإلى احتمال نشوء نزاعات مستقبلاً حول ترتيبات الإقامة غير الرسمية في منازل أقارب ما زالوا خارج البلاد.
وتزيد أزمة المياه والكهرباء من أعباء العودة؛ ففي مناطق شملها الرصد، بينها الفتيحاب وشرق النيل، تعطل انقطاعات الكهرباء ضخ المياه وتخزينها، ما يضطر الأسر إلى شرائها من باعة يستخدمون العربات، بتكاليف إضافية ومع عدم اليقين بشأن جودتها.
وأفادت المجتمعات أيضاً بنقص المياه والكهرباء والمراحيض العاملة وتصريف المياه في المدارس، بما يضيف عوائق أمام استئناف تعليم الأطفال.
وفي القطاع الصحي، استؤنفت الخدمات بصورة متفاوتة، لكن رسوم الكشف وأسعار الأدوية وتكاليف النقل تحول دون حصول أسر على العلاج. وتفتقر مراكز رعاية أولية إلى الأدوية وأجهزة التشخيص، فيما يصعب الوصول إلى خدمات متخصصة، بينها غسيل الكلى والرعاية النفسية.
وترتبط هذه الصعوبات بضعف سوق العمل؛ إذ لم تتعافَ الشركات والأنشطة الاقتصادية بما يكفي لاستيعاب العائدين. وفقد كثيرون وظائفهم السابقة أو أدوات إنتاجهم، بينما يفتقر أصحاب المشروعات الصغيرة إلى رأس المال اللازم لاستئناف نشاطهم.
ونقل التقرير إفادات عن لجوء أسر إلى تقليل الوجبات وسحب الأطفال من المدارس والاعتماد على عمل المراهقين لتغطية الاحتياجات. كما تعوق خسارة الوثائق المدنية الحصول على العمل والخدمات، وأفاد مشاركون بأن استخراج بدل فاقد للرقم الوطني يكلف نحو 80 ألف جنيه سوداني، دون احتساب النقل والزيارات المتكررة.
ورغم تحسن الأوضاع الأمنية في بعض المناطق، أعرب سكان عن مخاوف من الجريمة وحوادث المسيّرات والذخائر غير المنفجرة. وأشار التقرير إلى حوادث تسببت في وفيات وإصابات بمنطقة الصفوة، وإلى أن ضعف التوعية بمخاطر مخلفات الحرب يجعل العائدين، خصوصاً الأطفال، أقل قدرة على التعرف إليها وتجنبها.
وتواجه الأسر كذلك ضغوطاً نفسية وانفصالاً بين أفرادها، يرتبطان بتجارب النزوح والرحلات الشاقة وفقدان الوثائق وبقاء بعض الأقارب خارج السودان. وقالت المفوضية إن احتياجات الدعم النفسي تتجاوز الموارد المتاحة.
وأكد التقرير أن كثيراً من الأسر ترغب في البقاء، لكنها تربط استمرارها بتحسن الأمن والخدمات وفرص الدخل، محذراً من أن غياب التوسع في الخدمات وإزالة مخلفات الحرب ودعم سبل العيش سيُبقي الضغوط على العائدين والمجتمعات المستقبلة.
وتستند النتائج إلى رصد خلال يوليو عبر 12 مركزاً مجتمعياً متعدد الأغراض تدعمها المفوضية، ومقابلات مع شركاء محليين، وخمس مقابلات هاتفية مع عائدين من ليبيا. وأوضحت المفوضية أن النتائج تكشف أنماطاً ومشكلات ناشئة، لكنها ليست مسحاً إحصائياً ممثلاً لجميع العائدين.