كتب / عبد الهادي عبد الله

رحل عن عالمنا اليوم الأمير السابق لدولة قطر، حمد بن خليفة، الذي يُعد أحد أبرز مهندسي ”وثيقة الدوحة لسلام دارفور“ عام 2011. ومع رحيله، ينفتح مجدداً سجل التاريخ القاتم لواحدة من المحطات التي عوّل عليها البعض لإنهاء الحرب في دارفور، لكنها في الحقيقة عمّقت الأزمة السودانية، ووضعت قنابل موقوتة قادت البلاد إلى المحرقة الشاملة التي نعيشها اليوم.

لقد كانت هذه الاتفاقية مدعومة من صقور نظام الحركة الإسلامية البائد، وجاءت لتكريس واقع الانتهاكات المروعة في الإقليم تحت لافتة ”السلام“ البراقة.

إعلان

حملت وثيقة الدوحة في ظاهرها شعارات جاذبة؛ مثل تقاسم السلطة والثروة، والتعويضات، والترتيبات الأمنية، وإنشاء سلطة إقليمية. غير أن الممارسة الميدانية عبر ”صندوق دارفور لإعادة الإعمار والتنمية“ تحولت إلى أداة للتضليل السلوكي والهندسة الديمغرافية. فبدلاً من إعادة النازحين واللاجئين إلى قراهم الأصلية، تم تعزيز استيطان المجموعات العربية عبر ما سُمي بـ”القرى النموذجية“ في بعض المناطق. هذه القرى لم تكن سوى واجهة كاذبة تتكون من عدد محدود من المنازل في مناطق هجرها أصحابها بقوة السلاح وغارات الجنجويد، لتُسلم لاحقاً لقيادات أهلية جرى استيعابها وتسييسها داخل منظومة حزب المؤتمر الوطني البائد للإيحاء بأن الاتفاق يمضي قُدماً، في حين استمر المستوطنون الجدد في احتلال مناطق النازحين واللاجئين.

بالتوازي مع ذلك، وضعت السلطات بالتحالف مع حركة ”التحرير والعدالة“ الموقعة على الاتفاقية برئاسة التجاني السيسي خطة ممنهجة لتفكيك معسكرات النازحين. جرى ذلك عبر ترغيبهم بالقرى النموذجية تارة، وتخطيط أحياء طرفية وتمليكهم منازل فيها مقابل مبالغ مالية تارة أخرى؛ وكان الهدف الأساسي هو التخلص من المعسكرات التي تشهد على حجم الجريمة، دون تقديم أي حلول جذرية وعادلة للقضايا الموضوعية وعلى رأسها الأرض وحواكير القبائل المستهدفة.

أما في جانب الثروة والسلطة، فقد انحصرت الامتيازات والمكاسب في يد الموقعين وحلفائهم داخل ”السلطة الإقليمية لدارفور“. وبمرور الوقت، تمدد التحالف بين نظام المخلوع عمر البشير وتلك الحركات لضرب بنية الإقليم الإدارية، عبر تقسيم دارفور إلى خمس ولايات في استفتاء صوري. هذا التقسيم فجّر الصراع القبلي والأهلي حول وهم التحكم في السلطة بالمحليات والولايات، ومكّن النظام من المضي قُدماً في هضم حقوق الإقليم وتعميق الانقسامات المجتمعية التي تحولت اليوم إلى وقود للحرب الطاحنة التي تديرها ميليشيا الدعم السريع كإحدى النتائج الحتمية لتلك الفصول القاتمة.

إن المأساة الكبرى في مسار أزمة دارفور كانت تكمن في موقف النخب والأحزاب السياسية المركزية التي صفقت لهذه التسوّيات المعطوبة، يقابلها صمت وتجاهل من قطاعات واسعة من المواطنين في بقية أنحاء البلاد، ممن ظنوا أن حرائق الأطراف لن تصل إلى بيوتهم. وتنامت الأزمة ككرة ثلج دحرجتها سياسات التجزئة وإهمال قضايا الهامش وتجزئة الحلول.

اليوم، يدفع السودان بأكمله ثمن هذا التغافل. وإذا كان السودانيون يريدون حقاً بناء دولة قابلة للحياة بعد هذه الحرب، فعليهم إدراك أن القضية السودانية لا تتجزأ، وأن أي انتهاك أو مظلمة تقوع في أي طرف من أطراف البلاد يجب أن تُجابه بجدية تامة وبمسؤولية وطنية جماعية، حتى لا يستمر إنتاج قنابل موقوتة جديدة تحرق ما تبقى من الوطن.