على جدار… نصر يعقوب “كوكر”
العنصرية سرطان يهدد تماسك المجتمعات، لكن الأخطر من وجودها هو السماح لخطاب الكراهية بالانتشار والتغلغل في الوعي العام. ومن خلال متابعتي اليومية لمنصات التواصل الاجتماعي، ألاحظ تصاعدًا مقلقًا في الخطاب العنصري، حتى باتت عبارات الكراهية والتحريض تتصدر كثيرًا من التعليقات والمنشورات، خصوصًا تلك المرتبطة بالشأن السياسي.
المفارقة المؤلمة أن من يثيرون هذا الخطاب السرطاني في أغلب الأحيان هم فئة تسمي نفسها “مثقفين” وناشطين و”سياسيين”. والأجدر بهؤلاء الذين يدّعون حمل مشعل الوعي أن يناهضوا الكراهية، ويرسخوا قيم التسامح وقبول الآخر، بدلاً من أن يتحولوا إلى مشاعل لإشعال نار الفتنة.
لكن، هل تعكس منصات التواصل حقيقة المجتمع ؟
من خلال تجربتي الشخصية في التعامل اليومي مع الناس في الأسواق، ووسائل المواصلات، وأماكن العمل، وجدت أن مظاهر التعايش والتعاون هي الأكثر حضورًا، وهو ما يختلف كثيرًا عن الصورة التي ترسمها بعض النقاشات على المنصات الرقمية. فالناس في واقعهم يتعاملون مع بعضهم البعض باعتبارهم شركاء في الحياة، لا على أساس اللون أو القبيلة أو الجهة.
الدليل؟ قبل أيام جمعتني جلسة قهوة عفوية بشباب يعملون معاً لأكثر من خمسة أعوام وهم من مختلف الولايات. لم أكن أعرفهم من قبل. دار بيننا حديث طويل عن العنصرية. وكانت الإجابة واحدة وبلا تردد: رفض قاطع لها.
قال لي أحدهم جملة لا تزال ترن في ذهني: “والله يا أخي، لم أجد الكراهية إلا في الميديا، وعند من يسمون أنفسهم ناشطين”.
إذن أين المشكلة ؟
المشكلة أن الخوارزميات تكافئ الغضب، وبعض الأصوات وجدت في الفرقة سلعة رائجة. فصار “خطاب الكراهية” ضجيجاً أعلى من صوت التعايش الصامت الذي يعيشه الناس كل يوم.
مسؤوليتنا جميعاً
إذا كانت العنصرية سرطاناً، فالصمت عنها تغذية له، وسوشيال ميديا المضللة بيئة خصبة لنموه.
مسؤولية الدولة: سن قوانين وتشريعات رادعة تضع حداً واضحاً لكل من يستخدم خطاب الكراهية لتفتيت المجتمعات، مع تفعيل الرقابة على المحتوى التحريضي في المنصات.
مسؤولية الإعلام والمؤثرين: إعادة تسليط الضوء على “السودان الحقيقي”… سودان القهوة المشتركة، وسودان الجار قبل الدار. وتخصيص مساحات لخطاب التعايش بدلاً من تسليع الغضب.
مسؤولية المجتمع : مقاطعة صفحات التحريض وحظرها، ودعم الأصوات التي تجمع ولا تفرق. فالمواطن هو خط الدفاع الأول.
فلنحارب السرطان قبل أن يستشري، ولنرفع صوت الواقع على ضجيج الشاشة.
قد يكون خطاب الكراهية الأعلى صوتًا في الفضاء الرقمي، لكن مستقبل السودان لن تصنعه التعليقات الغاضبة، بل سيصنعه الناس في واقعهم، حين يختارون التعايش على الانقسام، والوحدة على الكراهية.