الخرطوم – السودان الآن
اعتبر حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة/جيش تحرير السودان مني أركو مناوي أن تحالف “تأسيس” وقوات الدعم السريع يمثلان “وجهين لعملة واحدة”، قائلاً إن الفصل بينهما لا يعكس حقيقة العلاقة السياسية والعسكرية بين الطرفين، وإن المسؤولية عن الانتهاكات المرتبطة بالحرب لا يمكن أن تُلغى عبر تغيير الأسماء أو إعادة صياغة الخطاب السياسي.
وقال مناوي، في مقال نشره السبت، إن كثيرين يخطئون عندما يتعاملون مع الدعم السريع وتحالف “تأسيس” باعتبارهما كيانين منفصلين، معتبراً أن الوقائع تشير إلى أنهما يرتبطان بأهداف ومصالح ومسؤوليات مشتركة تجعل من الصعب الفصل بينهما سياسياً أو أخلاقياً أو قانونياً.
وأضاف أن قوات الدعم السريع نشأت في عهد الرئيس السابق عمر البشير من رحم مليشيات الجنجويد، عبر عمليات تجنيد ذات طابع قبلي وانتقائي، مشيراً إلى أن تغيير التسميات لم يلغِ الإرث المرتبط بهذه القوات ولا الاتهامات التي واجهتها على مدى سنوات بشأن ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق في إقليم دارفور.
ورأى مناوي أن الدعم السريع ارتبط اسمه، بحسب وصفه، بعمليات قتل وتهجير قسري وترويع للمدنيين، الأمر الذي أسهم في تشريد ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، مضيفاً أن المجتمع الدولي أصدر خلال السنوات الماضية قرارات وإجراءات استهدفت قيادات مرتبطة بهذه القوات على خلفية النزاع في السودان.
وقال إن الدعم السريع لم يطرح مشروعاً سياسياً أو وطنياً متكاملاً، وإنما ظل يعتمد، وفقاً لرؤيته، على منطق القوة والسيطرة على الأرض والموارد، مع السعي للحصول على الدعم والحماية من أطراف مختلفة كلما اقتضت الظروف ذلك.
كما أشار إلى أن بعض الترتيبات الإقليمية والدولية التي ارتبطت بملفات الهجرة غير النظامية أو الأمن الإقليمي أتاحت، بصورة أو بأخرى، مساحة لتحركات الدعم السريع خلال فترات سابقة، رغم أن النزاعات والانتهاكات التي شهدتها مناطق واسعة من السودان كانت من بين الأسباب الرئيسية لموجات النزوح والهجرة.
وفي حديثه عن تحالف “تأسيس”، قال مناوي إن التحالف الذي يُطرح باعتباره مظلة سياسية جديدة لا يستطيع، من وجهة نظره، التنصل من الإرث المرتبط بالقوى والتنظيمات المنضوية تحت رايته، معتبراً أن بعض المكونات العسكرية المرتبطة به تواجه اتهامات بالمشاركة في أحداث شهدتها مناطق مختلفة من السودان خلال الحرب.
وأشار إلى مدينة الفاشر ومعسكر زمزم للنازحين ضمن المناطق التي شهدت، بحسب قوله، أحداثاً وانتهاكات جسيمة، مضيفاً أن اتهامات تتعلق بجرائم إبادة جماعية وتطهيرعرقي ما تزال محل تحقيق وتوثيق من جهات محلية ودولية مختلفة.
واعتبر مناوي أن محاولة الفصل بين “تأسيس” والدعم السريع تبدو محاولة شكلية أكثر منها حقيقة موضوعية، قائلاً إن المسؤولية السياسية والقانونية لا تسقط بمجرد تغيير الاسم أو تبني خطاب سياسي جديد.
وأضاف أن تقييم أي كيان سياسي أو عسكري يجب أن يستند إلى أفعال القوى التي يمثلها وسلوكها على الأرض، لا إلى الشعارات أو البيانات التي يصدرها، مشدداً على أن الجرائم والانتهاكات المزعومة المرتبطة بالحرب لا يمكن تجاوزها من خلال إعادة تقديم الأطراف نفسها في أطر سياسية جديدة.
كما أشار إلى أحداث شهدتها مناطق مثل الجنينة وود النورة والخرطوم، بما في ذلك اتهامات تتعلق بأعمال نهب وتخريب واستهداف مؤسسات عامة ومرافق خدمية، معتبراً أن المسؤولية عن هذه الوقائع لا تقتصر على الجهات المنفذة فحسب، بل تشمل أيضاً الأطراف التي قدمت دعماً سياسياً أو عسكرياً أو وفرت غطاءً لها.
وقال إن أي مشروع سياسي ينبثق من هذه القوى أو يوفر لها غطاءً سياسياً لا يمكنه الادعاء بالبراءة من تبعات الانتهاكات المنسوبة إليها، مؤكداً أن العدالة يجب أن تطبق على جميع الأطراف دون استثناء.
وشدد مناوي على أن مبدأ المساءلة لا ينبغي أن يخضع لازدواجية المعايير، وأن المسؤولية لا تتجزأ، معتبراً أن كل جهة شاركت أو ساندت أو وفرت غطاءً سياسياً أو عسكرياً للانتهاكات المرتكبة خلال الحرب يجب أن تكون عرضة للمحاسبة وفق القانون.
وأضاف أن تغيير الأسماء أو إعادة تشكيل التحالفات السياسية لا يمحو الوقائع المرتبطة بالحرب، ولا يلغي المطالب المتزايدة بتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وتأتي تصريحات مناوي في وقت تشهد فيه الساحة السياسية السودانية جدلاً متصاعداً بشأن مستقبل العملية السياسية الجارية لإنهاء الحرب، خاصة في ظل الخلافات حول دور تحالف “تأسيس” وموقعه في أي تسوية سياسية محتملة، إلى جانب استمرار النقاشات المتعلقة بالعدالة الانتقالية والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات المرتبطة بالنزاع المستمر منذ أبريل 2023.
وتظل قضايا العدالة والمحاسبة من بين أكثر الملفات حساسية في النقاش السياسي السوداني، حيث ترى أطراف عديدة أن أي تسوية سياسية مستدامة تتطلب معالجة الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب وضمان عدم الإفلات من العقاب، بينما تستمر الخلافات بشأن آليات تحقيق ذلك وحدود المشاركة في العملية السياسية المقبلة.