الخرطوم – حذرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) من مخاطر الانهيارات الأرضية والتلوث البيئي والصحي المرتبط بالتعدين الحرفي للذهب في السودان، داعية إلى تعزيز الإنذار المبكر والرقابة على أنشطة التعدين وتحسين التنسيق بين المؤسسات المعنية بالحد من الكوارث.

وجاء التحذير خلال ندوة هجينة نظمها مكتب اليونسكو في السودان، بمشاركة 20 ممثلاً عن مؤسسات وطنية ووكالات أممية، بينها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، ومنظمة الأغذية والزراعة، والمجلس الوطني للدفاع المدني، وهيئة البحوث الجيولوجية السودانية.

واستعرضت الندوة نتائج تقييم سريع أجرته اليونسكو لمخاطر الانهيارات الأرضية، إلى جانب أدلة علمية بشأن الأضرار البيئية والصحية الناجمة عن ممارسات التعدين غير الآمنة، وسبل توظيف البحث العلمي والتوعية المجتمعية والإنذار المبكر في حماية السكان.

واستعاد رئيس مكتب اليونسكو وممثلها في السودان، جنيد سروش والي، كارثة الانهيار الأرضي في منطقة تارسين خلال أغسطس 2025، التي أعقبت أمطاراً غزيرة وألحقت أضراراً واسعة بالمجتمعات المحلية والبنية التحتية والثروة الحيوانية في 88 قرية، وفق المعلومات التي عرضتها المنظمة.

وعقب الكارثة، أجرت اليونسكو تقييماً سريعاً اعتمد على صور الأقمار الصناعية والتحليل الجغرافي المكاني والملاحظات الميدانية والتواصل مع المجتمعات، لتحديد المناطق المعرضة للخطر ودعم إجراءات التأهب. وحدد التقييم تلال البحر الأحمر ضمن المناطق التي تستدعي اهتماماً خاصاً، إلى جانب مناطق أخرى شملتها الدراسة.

وقال رئيس برنامج العلوم في مكتب اليونسكو، عبد القادر صالح، إن المنظمة نفذت بعثات ميدانية في تلال البحر الأحمر، وشاركت نتائجها مع الجهات المعنية، كما وضعت خطة عمل مقترحة للفترة من 2025 إلى 2027 لتعزيز التأهب للكوارث والحد من مخاطرها. وشملت أنشطة التوعية مهمة في الخرطوم مطلع 2026، قالت المنظمة إنها وصلت إلى أكثر من 250 شخصاً، إلى جانب إنتاج فيلم وثائقي عن مخاطر الانهيارات الأرضية.

وقدم خبراء من المركز الاستشاري الإقليمي، عادل عوض وحمد بشير، تحليلاً جغرافياً مكانياً للمخاطر في جبل مرة وتلال البحر الأحمر، تناول أثر طبيعة الصخور والتضاريس والأمطار والأنشطة البشرية ومدى تعرض التجمعات السكانية في زيادة احتمالات الانهيارات وأضرارها.

وأكد المشاركون أهمية تعريف السكان بالعلامات التحذيرية، مثل ظهور الشقوق في الأرض وميل الأشجار والتغيرات في المنحدرات غير المستقرة، إلى جانب تجنب البناء في المناطق عالية الخطورة، وحماية الغطاء النباتي حيثما أمكن، والالتزام بالتحذيرات الرسمية وتعليمات الإخلاء.

وفي محور التعدين الحرفي، عرض البروفيسور أزهري عمر عبد الباقي، ممثل الجمعية السودانية لحماية البيئة، مخاطر استخدام الزئبق والسيانيد، والتعامل غير الآمن مع مخلفات التعدين، ولا سيما عندما تُلقى بالقرب من المنازل والأراضي الزراعية ومصادر المياه.

وأوضح العرض أن الزئبق المستخدم في استخلاص الذهب قد يلوث التربة والمياه والهواء، ويمكن أن يتحول في البيئات المائية إلى ميثيل الزئبق، وهو مركب سام قد يتراكم في السلسلة الغذائية ويشكل خطراً على صحة الإنسان. كما أشار إلى مخاطر استنشاق أبخرة الزئبق والتعرض للسيانيد وعدم استقرار بعض منشآت التعدين.

وبحسب الأرقام التي عُرضت خلال الندوة، يضم قطاع التعدين الحرفي في السودان نحو مليوني عامل في 14 ولاية، إضافة إلى 77 سوقاً للتعدين وأكثر من 44 ألف بئر، و5668 مطحنة و5398 حوض غسيل. وأشار العرض إلى أن نقص معدات الوقاية لدى كثير من العاملين يزيد من تعرضهم للمواد الخطرة وظروف العمل غير الآمنة.

وتناولت دراسة حالة في ولاية نهر النيل مخلفات التعدين المعروفة محلياً باسم «الكارتا»، حيث أظهرت نتائج عينات من بعض المواقع ارتفاع مستويات الزئبق في مخلفات ومياه، كما رُصد وجود الزئبق في عينات بول أُخذت من أطفال في منطقتين متضررتين، وفق ما عُرض خلال الندوة.

وأثارت النتائج مخاوف بشأن تعرض المجتمعات المحيطة للتلوث، مع الحاجة إلى مزيد من الفحوص والتحقيقات لتحديد مدى الانتشار والآثار الصحية.

ودعا عبد الباقي إلى تشديد الرقابة على أنشطة التعدين، وتحسين إدارة المخلفات، وتوسيع حملات التوعية وإجراء تقييمات صحية إضافية في المجتمعات المتضررة، إلى جانب تشجيع ممارسات تعدين أكثر أماناً وأقل ضرراً بالبيئة.

من جانبه، تحدث ممثل هيئة البحوث الجيولوجية السودانية، محمد بالا، عن جهود الهيئة في دراسات الانهيارات الأرضية والتقييمات الفنية والتوعية العامة، مؤكداً أهمية التعاون مع الشركاء الدوليين لمواجهة المخاطر المرتبطة بتغير المناخ والعمليات الجيولوجية والأنشطة البشرية.

وأشار مساعد الأمين العام للمجلس الوطني للدفاع المدني، غورشي حسين عبد القادر قاسم، إلى تقارير عن 29 حالة وفاة ناجمة عن انهيارات في المناجم، وقال إن المجلس يخطط لتنظيم نشاط مخصص لدراسة تعدين الذهب من منظور مخاطر الكوارث والرقابة التنظيمية.

كما دعا ممثل الهيئة الوطنية السودانية للتربية والعلوم والثقافة، إسماعيل التوم، إلى ربط الأدلة العلمية بالتعليم والتوعية العامة والمعارف المحلية، وإدراج حماية التراث الثقافي ضمن خطط التأهب للكوارث، لما قد تسببه هذه الأحداث من أضرار للأرواح والبنية التحتية والموروث الثقافي للمجتمعات.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أهمية الانتقال من تقييم المخاطر إلى إجراءات عملية تشمل تحسين الإنذار المبكر، وتوسيع التوعية المجتمعية، وتشديد الرقابة على التعدين، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الفنية والصحية والسلطات المختصة.

وأكد سروش والي التزام اليونسكو بمواصلة العمل مع الشركاء الوطنيين، ولا سيما الجهات المعنية بالصحة العامة، لمتابعة التوصيات ومجالات التعاون التي حددتها الندوة، كما شكر حكومة اليابان على دعمها للجهود ذات الصلة.

وتسلط نتائج الندوة الضوء على تداخل المخاطر الجيولوجية والبيئية والصحية في السودان، وعلى الحاجة إلى إجراءات وقائية ورقابة مستمرة لحماية المجتمعات والعاملين في مناطق التعدين.