الخرطوم – السودان الآن

شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الأيام الماضية تبايناً حاداً في مواقف القوى السياسية السودانية المشاركة في المشاورات التي دعت إليها الآلية الخماسية بشأن العملية السياسية وإيقاف الحرب، وسط خلافات حول طبيعة العملية السياسية، وشروط المشاركة فيها، وموقف القوى المرتبطة بالنظام السابق.

وانعقدت الاجتماعات خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو 2026، بمشاركة قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات وطنية، في محاولة لدفع مسار سياسي جديد لإنهاء الحرب الدائرة في السودان.

إعلان

وفي هذا السياق، أعلنت الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي رفضها التوقيع على وثيقة اللجنة التحضيرية للعملية السياسية والبيان الصحفي الختامي، معتبرة أن العملية السياسية التي بدأت في أديس أبابا شابها “قصور كبير” ولم تلتزم بما تم الاتفاق عليه مسبقاً داخل تحالف “صمود” وإعلان المبادئ السوداني.

وقالت نائبة رئيس الحركة الشعبية التيار الثوري الديمقراطي بثينة دينار إن حركتها شاركت في الاجتماعات لكنها طالبت بضرورة الالتزام أولاً بتصميم العملية السياسية بالاتفاق مع الآلية الخماسية قبل الشروع في التنفيذ، مشيرة إلى أن العملية الحالية “منفصلة عن مخاطبة الكارثة الإنسانية وحماية المدنيين”، ولا تحقق هدنة إنسانية أو تغييراً ملموساً في حياة المواطنين.

وأضافت أن الدخول في عملية سياسية دون التزام ما وصفتهم بطرفي الحرب بنتائجها يمثل “رفاهية نظرية”، معتبرة أن المسار الحالي أضعف من مبادرات سابقة رفضتها القوى المدنية الديمقراطية قبل اندلاع الحرب.

وانتقدت بثينة دينار رفض تضمين نص واضح يمنع مشاركة حزب المؤتمر الوطني المحلول وواجهاته في العملية السياسية، قائلة إن ذلك “يلقي بظلال من الشك حول الهدف النهائي من العملية”، كما حذرت من أن الشكل الحالي للمشاورات سيؤدي إلى “إغراق العملية بالأطراف والحلول الهشة” دون معالجة جذور الأزمة أو استعادة روح الثورة.

ودعت الحركة في ختام موقفها إلى مراجعة شاملة لما جرى، وإجراء مشاورات واسعة داخل وخارج السودان مع مختلف القوى المدنية الديمقراطية لمقاومة أي توجهات تعيد إنتاج الحرب.

في المقابل، أعلنت حركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد النور أنها رفضت التوقيع مع الكتلة الديمقراطية بسبب رفض الأخيرة تضمين نص صريح بإبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما من العملية السياسية.

وقال الناطق الرسمي باسم الحركة محمد عبد الرحمن الناير إن الحركة توصلت، بعد لقاءات مع القوى المناهضة للحرب، إلى اتفاق يقضي بإبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من أي عملية سياسية مستقبلية، مؤكداً تمسك الحركة بالحلول الشاملة التي تنهي الحرب وتعالج الجذور التاريخية للأزمة السودانية.

وشددت الحركة على ضرورة عدم “مكافأة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية” على الحرب الحالية، بل تصنيفهم كمجموعات إرهابية ومنعهم من لعب أي دور سياسي مستقبلاً، مؤكدة في الوقت ذاته استعدادها للتعامل الإيجابي مع المبادرات الوطنية والإقليمية والدولية ذات المصداقية.

من جانبه، قال القيادي بالكتلة الديمقراطية مبارك أردول إن المشاورات التي جرت بين القوى السياسية والمدنية كانت “مثمرة وبناءة”، واعتبرها خطوة مهمة منذ اندلاع الحرب ينبغي البناء عليها.

وأوضح أردول أن القوى المشاركة توصلت إلى موقف مشترك تضمنته ورقة اللجنة التحضيرية للعملية السياسية والبيان الختامي، مشيراً إلى أن الكتلة الديمقراطية تمسكت بموقفها الرافض لتحالف “تأسيس” الذي وصفه بأنه الغطاء السياسي لقوات الدعم السريع.

واتهم أردول قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة في الخرطوم والجزيرة ودارفور، إلى جانب حصار مناطق في كردفان وجبال النوبة، مؤكداً في الوقت نفسه الاتفاق على إبعاد المؤتمر الوطني من العملية السياسية.

وفي تطور لافت، أعلن حزب المؤتمر الوطني رفضه الكامل للمشاورات الجارية في أديس أبابا، معتبراً أن الاجتماعات تفتقر إلى الحياد والشمولية ولا تعبر عن الإرادة الوطنية السودانية.

وقال الحزب، في بيان، إن المشاورات تقوم على “دعوات انتقائية” لبعض القوى السياسية، الأمر الذي يؤدي – بحسب وصفه – إلى تعميق الاستقطاب بدلاً من تحقيق توافق وطني شامل.

وأكد المؤتمر الوطني أن الأزمة السودانية لا يمكن حلها عبر “صفقات أو ترتيبات معزولة”، داعياً إلى إشراك جميع القوى السياسية والمجتمعية ذات التأثير في أي عملية سياسية تهدف إلى إنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار.

كما أثار الحزب تساؤلات بشأن المعايير التي اعتمدتها الآلية الخماسية في اختيار المشاركين، مشدداً على ضرورة أن تستند أي وساطة إلى الحياد واحترام الإرادة الوطنية السودانية.

وجدد المؤتمر الوطني دعمه للقوات المسلحة والقوات النظامية، مؤكداً رفضه لأي مسار سياسي ينتقص من سيادة السودان أو يتجاوز ما وصفه بإرادة الشعب السوداني، كما دعا إلى إطلاق حوار سوداني – سوداني شامل داخل البلاد دون وصاية خارجية.

وشدد الحزب على أن أي سلام مستدام يجب أن يقوم على إنهاء التمرد وتسليم السلاح والانسحاب من المناطق المدنية، مع محاسبة المتورطين في الانتهاكات عبر قضاء وطني مستقل.

كما أعلن رفضه لأي مخرجات تصدر عن اجتماعات أديس أبابا، معتبراً أنها “تفتقر إلى الشرعية” ما لم تستند إلى توافق وطني شامل، مؤكداً تمسكه بحقه في المشاركة السياسية ورفض أي محاولات لإقصائه.

وتعكس المواقف المتباينة للقوى السياسية السودانية حجم الانقسام حول شكل العملية السياسية المطلوبة لإنهاء الحرب، خاصة في ما يتعلق بمسألة إشراك أو استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وطبيعة العلاقة بين المسار السياسي والملف الإنساني، إضافة إلى الجهة التي ينبغي أن تقود التسوية السياسية المقبلة.