الخرطوم – السودان الآن
سلط تقرير جديد للمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام الضوء على ظاهرة الاختفاء القسري في السودان، محذراً من تحولها إلى واحدة من أكثر الانتهاكات تعقيداً خلال الحرب المستمرة، مع ما تتركه من آثار إنسانية واجتماعية وقانونية تتجاوز الضحايا المباشرين إلى أسرهم ومجتمعاتهم المحلية.
وحمل التقرير عنوان “الاختفاء القسري في السودان: بين الاستهداف القائم على الهوية والعنف الممتد ضد الأسر والمجتمعات”، مقدماً قراءة تحليلية لأنماط الاختفاء القسري خلال الفترة الممتدة من أبريل 2023 وحتى ديسمبر 2025، بالاستناد إلى بيانات موثقة وإفادات ضحايا وأسر مختفين ومصادر حقوقية متعددة.
وبحسب التقرير، تم تسجيل 24,493 بلاغاً تتعلق بحالات اختفاء قسري شملت 7,767 ضحية خلال فترة الدراسة، مع الإشارة إلى أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى من ذلك بسبب صعوبات التوثيق والوصول إلى بعض المناطق المتأثرة بالنزاع وانقطاع الاتصالات لفترات طويلة.
ويشير التقرير إلى أن الاختفاء القسري في السودان لا يمكن النظر إليه باعتباره نتيجة مباشرة للعمليات العسكرية فقط، بل باعتباره ممارسة تشكلت ضمن سياقات سياسية وأمنية واجتماعية متراكمة، حيث تتداخل عوامل الهوية والانتماء الجغرافي والعرقي مع متطلبات السيطرة الأمنية والعسكرية التي فرضتها الحرب.
ورصدت الدراسة أن غالبية الضحايا الموثقين من المدنيين، وهو ما يعكس اتساع تأثير النزاع على السكان غير المشاركين في الأعمال القتالية. كما تشير البيانات إلى أن بعض أنماط الاستهداف ترتبط بمؤشرات الهوية أو الانتماء المناطقي، خاصة في المناطق التي شهدت تغيرات متكررة في السيطرة العسكرية أو تصاعداً في التوترات المجتمعية.
ووفقاً للتقرير، فإن العديد من حالات الاختفاء تبدأ بعمليات توقيف أو احتجاز عند نقاط التفتيش أو أثناء الحملات الأمنية والمداهمات، قبل نقل الأشخاص إلى أماكن غير معلومة أو غير رسمية دون تمكين أسرهم من معرفة أماكن وجودهم أو التواصل معهم.
كما أظهرت النتائج أن مسارات المختفين تختلف من حالة إلى أخرى، إذ انتهت بعض الحالات بالإفراج عن المحتجزين، بينما انتهت حالات أخرى بالوفاة أو ظلت دون معلومات مؤكدة عن مصير أصحابها. وأكد التقرير أن استمرار الحرب وصعوبة الوصول إلى مناطق الاحتجاز يجعل من عملية التحقق والتوثيق تحدياً معقداً.
وعلى المستوى الإنساني، أوضح التقرير أن آثار الاختفاء القسري لا تتوقف عند الشخص المختفي، بل تمتد لتشمل أسرته بالكامل، حيث تواجه العائلات أعباء نفسية واقتصادية واجتماعية طويلة الأمد نتيجة الغموض الذي يحيط بمصير ذويها وفقدان مصادر الدخل وصعوبة الوصول إلى العدالة.
وأشار إلى أن حالة عدم اليقين التي تعيشها الأسر تمثل أحد أكثر الأبعاد قسوة في هذه الظاهرة، إذ تبقى العائلات عالقة لسنوات بين الأمل في العثور على أبنائها والخوف من مصير مجهول، دون الحصول على معلومات موثوقة أو إجابات حاسمة.
ويلفت التقرير إلى أن الاختفاء القسري لم يعد مقتصراً على مناطق المواجهات العسكرية المباشرة، بل ظهر كذلك في المدن ومناطق العبور ومحيط مراكز الاحتجاز ونقاط التفتيش، ما يعكس اتساع نطاق الظاهرة وتعدد السياقات المرتبطة بها خلال سنوات النزاع.
كما حذر من أن صعوبة التحقق من مصير المختفين تشكل تحدياً إضافياً أمام الأسر والمنظمات الحقوقية، خاصة في ظل النزوح الواسع للسكان وتعطل العديد من المؤسسات الحكومية والقضائية، الأمر الذي يفاقم معاناة الضحايا ويؤخر جهود المساءلة.
ويرى معدو الدراسة أن استمرار حالات الاختفاء القسري دون تحقيقات مستقلة وآليات فعالة للمحاسبة يهدد بتعميق أزمة الثقة بين المجتمعات المحلية ومؤسسات الدولة، ويزيد من تعقيد أي جهود مستقبلية للمصالحة الوطنية وجبر الضرر بعد انتهاء الحرب.
وفي الجانب القانوني، يشير التقرير إلى أن العديد من الحالات الموثقة تتوافق مع التعريفات الدولية للاختفاء القسري، خصوصاً عندما يقترن الاحتجاز بإنكار مصير الشخص أو رفض الكشف عن مكان وجوده، وهو ما يحرمه من الحماية القانونية ويجعل أسرته في حالة انتظار مفتوحة.
وخلص التقرير إلى أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز آليات التوثيق والرصد المستقل، وإنشاء قواعد بيانات أكثر شمولاً للمفقودين، وتطوير آليات فعالة للبحث والكشف عن المصير، إلى جانب إدماج ملف المختفين قسرياً ضمن أي ترتيبات مستقبلية للعدالة الانتقالية وبناء السلام.
وتأتي هذه النتائج في وقت تتزايد فيه المطالب المحلية والدولية بالكشف عن مصير المفقودين والمحتجزين خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وسط تحذيرات من أن استمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة قد يترك آثاراً عميقة على فرص الاستقرار والمصالحة في السودان لسنوات طويلة قادمة.