نيويورك ــ صوت الهامش

في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بدعم عملية التغيير في السودان، يرى مراقبون أن هذا الدعم لا يكفي بل يحتاج إلى خطوات عقابية تستهدف المعرقلين لمعلية التغيير في هذا البلد الذي ظل يعاني من أزمة سياسية مستفحلة منذ عقود.

 

إعلان

وتقول نائبة مدير مكتب هيومن رايتس ووتش بواشنطن والمديرة السابقة لشؤون أفريقيا في مجلس الأمن القومي نيكول ويديرشيم، إن نظرة الحكومة الأمريكية للتغيير في السودان تقوم على دعم عقد صفقة بين النخب السياسية في السودان والجيش السوداني الذي أخذ السلطة بالقوة فمن الممكن أن نرى المدنيين في السودان يأتون بالديمقراطية لبلدهم.

 

في مساء 25 أكتوبر 2021، دخل رئيس مجلس السيادة في السودان، عبد الفتاح البرهان في اجتماع مغلق مع رئيس الحكومة الانتقالية الثانية، عبد الله حمدوك، لمناقشة المقترحات التي قدَّمها المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي، جيفري فلتمان، التي جددت التأكيد على منع أي محاولة إنقلابية تؤدي إلى عرقلة التحوُّل المدني نحو الانتخابات الرئاسية.

 

غير أنه لم تمضِ ساعات على هذا الاجتماع المغلق، شهدت عاصمة البلاد، انقلاباً عسكرياً قاده البرهان نفسه، بدعم مجموعة قوى سياسية، واعتقال حمدوك وعدد من وزراء حكومته.

 

إثر ذلك، خرج مئات الآلاف من السودانيين في الخرطوم وغيرها من مدن البلاد في احتجاجات للمطالبة بالتحول الديموقراطي وتسليم السلطة للمدنيين.

 

التخلي عن السلطة

 

وتضيف ويديرشيم، أن الفاعلين العسكريين الذين قاموا بالإنقلاب في السودان لإيقاف الديمقراطية الموجودة بالبلاد سيتخلون عن السلطة بلا رادع ودون أية تكاليف مادية كما يعتقد المسؤولين الأمريكيين.

 

تذكر النائبة بأن أبرز ما لاحظته خلال عملها في السودان هو أن القادة السودانيين يقومون بإيجاد طرق عديده ويلعبون اللعب الطويلة بهدف الضغط على المجتمع الدولي.

 

كما تؤكد في تقرير نشرته مجلة  نيوزويك بأن الولايات المتحدة الأمريكية ترحب بتلك الاجراءات الصغيرة التي يقومون بها وترى بأن التغييرات الكبيرة لاتزال صعبة التحقيق.

 

في السياق، ذكرت النائبة بأن قادة الجيش السوداني في 29 مايو قاموا بالإعلان عن انتهاء حالة الطوارئ التي كانت قائمة في البلاد وذلك لمدة سبعة أشهر، كذلك قاموا بإخراج الكثير من المعتقلين السياسيين من سجونهم.

 

وأشارت إلى ترحيب المسؤولين الأمريكيين، بالإعلان الصادر عن القادة غير أن القتل والاعتداء على الناس والاعتقالات لم تنتهي بعده صدوره بل زادت، كما أن واشنطن لم تقم بإصدار أية استثناءات عدا ذلك البيان الذي أصدرته بالإشتراك مع الكثير من الدول الاخرى والذي أشار إلى مقتل ما يقارب 100 مدني منذ حدوث الإنقلاب على السلطة من قبل الجيش السوداني.

 

عقوبات ذكية

 

وتؤكد على أن القادة العسكريين في السودان الذين استلموا السلطة في البلاد، ”لن يتغيروا دون الضغط عليهم“، لذا يتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تقوم بفرض عدة عقوبات ذكية على أولئك القادة وأن تعمل على مواجهتهم بشكل فردي بحيث تضع قيود على سفرهم وتفرض العقوبات المختلفة، مقابل أي اعتداء يرتكبونه، حيث يحتاج أولئك المسؤولون الأمريكيون إلى إبعاد تلك الغيوم التي تخفي عنهم ما يقومون به.

 

وأوضحت النائبة ويديرشيم بأن عمر البشير كان من أبرز الحكام المستبدين الذين تولوا السلطة في السودان وهو من أولئك الأفراد الذين حكموا البلاد وهم يمتلكون سجل عنيف وفاسد، حيث شكلت الثورة التي قام بها الشعب في 2018، 2019 تحدياً كبيراً للسلطة الحاكمة في السودان التي قامت بقمع أولئك المتظاهرين وممارسة العنف ضدهم.

 

سيطرة اقتصادية

 

أيضاً تذكر ويديرشيم بأن القادة المستبدين والعسكريين في السودان قاموا بارتكاب الكثير من الجرائم ضد الأفراد السودانيين وضد الانسانية بشكل عام وعملوا على ممارسة التطهير العرقي في دارفور الذي أعلنته الولايات المتحدة في ذلك الوقت كإبادة جماعية، كما أن هؤلاء القادة لم يتخلوا عن سيطرتهم الاقتصادية للبلاد في ظل تلك الجرائم.

 

تؤكد النائبة بأنه مع مرور الوقت ظهرت جهات فاعلة جديدة قادت تلك الانتهاكات التي تجري في السودان، لا يزال بعض تلك الجهات حتى الآن متواجدة في الخرطوم حيث تقوم باتخاذ قرارات بشأن المستقبل القادم للبلاد.

 

تغيير الاستراتيجية

 

وطالب تقرير صادر من يديرشيم، الولايات المتحدة الأمريكية، بتغيير الاستراتيجية التي تتبعها في التعامل مع القضية السودانية.

 

ونبه إلى أن بعض الخطوط التي وصفتها بالواضحة يتوجب على صانعو السياسة في الولايات المتحدة أخذها بعين الاعتبار، حيث تسهم تلك الخطوط بوضع حقوق الإنسان والشعب السوداني في مركز الاهتمام.

 

وأبان التقرير، الذي طالعته (صوت الهامش) أن تلك الخطوط هي : أن ينص الخط الأول على أنه ”يتوجب على حكومة الولايات المتحدة إعطاء الأولوية لتلك الحركات المحتجة على القادة العسكريين، كما يقع عليها الانخراط مع تلك الجهات المدنية التي تؤيد الديمقراطية في البلاد بما فيها حركة الاحتجاج السودانية.“

 

أما الخط الثاني، فضرورة التأكيد على ”التوقف عن استخدام الخطاب الذي يقبل العنف“، حيث دعت السفارة الأمريكية في الآونة الأخيرة القوات السودانية إلى الإبتعاد عن الاستخدام المفرط للعنف ضد المدنيين وذلك في ذكرى قيام مذبحة يونيو 2019.

 

فقد نوهت النائبة إلى أهمية وضع حد لـ ”لا للعنف“ من قبل المسؤولين الأمريكيين، وتحديد العواقب التي تحدث بصورة ملموسة للمدنيين الذين تقتلهم قوات الأمن وتصيبهم بجراح خطيرة وتسيئ معاملتهم في البلاد.

 

وفي الخط الثالث أكدت النائبة، على ضرورة معاقبة الفاعلين الذين مارسوا الانتهاكات ضد الشعب، وتابعت بالقول إن المسؤولين الأمريكيين عبروا عن عدم رغبتهم في معاقبة القادة السودانيين مما أدى زيادة حدة العنف الممارس ضد الشعب.

 

وترى النائبة، أن فرض عقوبات على القيادة السودانية لا سيما وضع قيود على سفرهم يعتبر أحد الخطط الذكية التي يجب استخدامها.

 

ونبهت إلى أن تلك الإستراتيجية أستخدمت في جمهورية الكونغو الديمقراطية من قبل مجلس الأمن القومي، في تاني 2017 2018 وكم فرض عليها عقوبات مالية وقيود التأشيرات التي تم تصعيدها مع مرور الوقت حيث أعطت نتائج ملموسة، مما يجعل من المحتمل ممارسة تلك الخطة أيضاً في السودان.

 

وأضافت نيكول ويديرشيم، أن تلك الخطة قد تكون محتملة التنفيذ في السودان نظراً لأن القادة العسكريين في جمهورية السودان مرتبطون بتعدين الذهب والشركات المملوكة للدولة وغيرها من الشركات خاضعة للعقوبات بموجب القانون الأمريكي.

 

في سياق ذلك تذكر ويديرشيم بأنه تم استخدام ”Magnitsky“ العالمية بهدف قطع الموارد العسكرية، حيث أصدرت الولايات المتحدة تحذيراً بشأن الأعمال التجارية في نهاية شهر مايو.

 

كما حذرت الكيانات الأمريكية التي تعمل في السودان من ذلك الفساد التجاري في البلاد غير أن تعطيل تدفق موارد ”Magnitsky“ كان الحل الرئيسي لوقف الإنتهاكات الجارية في البلاد، نظراً لأن الجيش يمتلك كل شيء تقريباً فيها.

 

ولفتت النائبة، إلى أن الإستخدام الإستراتيجي لأحكام الفساد في نظام عقوبات Magnitsky العالمي يسهم في تآكل أحد مصادر العنف المستمر ضد المدنيين.

 

وفي الخط الرابع تؤكد النائبة على ضرورة ”عدم تجاهل العدالة والمساواة وتذكر بأنه يتوجب على الولايات المتحدة تعزيز دعمها للنشطاء والمحامين المحليين ومساعدتهم في جمع الأدلة المؤكدة على العنف الممارس ضدهم وتحليل تلك الأدلة.“

 

إضافة لذلك طالبت الولايات المتحدة بالضغط على الجهات العسكرية لإيقاف الاحتجاز غير القانوني للمعتقلين وإيقاف تلك الاعتقالات الجارية، وتسهيل التحقيقات في أعمال العنف التي إرتكبتها القوات العسكرية خلال الفترة الإنتقالية كالمذبحة التي راح ضحيتها ما يقارب 120 شخصاً خلال الإحتجاجات التي جرت في 3 يونيو 2019.

 

وذلك كجزء من الدعم الذي قامت به الحكومة الأمريكية للمؤسسات الدولية هي العدالة التي مارستها من خلال المحكمة الجنائية الدولية و التي دفعت القادة السودانيين لتسليم المشتبه بهم الثلاثة الذين تم احتجازهم لديهم والذين يواجهون اتهامات للمحكمة الجنائية الدولية في مدينة دارفور بما فيهم الرئيس السابق عمر البشير، على حد تعبير ويديرشيم.

 

ويرى التقرير، أيضاً بأن دعم الجهود المستقلة الهادفة لتعزيز آفاق المسائل المحلية، يساعد بشكل كبير على وقف الحالات التي تفلت من العقاب.

 

في النهاية، يقول التقرير، بإن الولايات المتحدة ستدرك حقاً ما يعنيه أن تكون حليفاً لواحد من أكثر النضالات المدنية ألهاماً من أجل الحرية والديمقراطية في العقد الماضي فهي بلا شك ترغب برؤية السودان دولة ديمقراطية غير أنها تحتاج لتصحيح المسار الذي تتعامل به مع القضية.

 

كما قال إن العاملين بالسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، يحبون إتباع نظرية التغيير التي تنص على أن Z سيتحقق ببساطة في حال حدث X وY.