الكفرة – السودان الآن

تتصاعد المطالبات الموجهة إلى السلطات السودانية بالتدخل العاجل لإنقاذ سودانيين لاجئين ومهاجرين محتجزين في ليبيا، وسط اتهامات بتعرض مئات منهم لانتهاكات قاسية داخل مراكز احتجاز، وحرمانهم من الاحتياجات الأساسية والرعاية الصحية.

ونشر ناشطون سودانيون خلال الأيام الماضية مقاطع مصورة قالوا إنها توثق أوضاع سودانيين محتجزين داخل عدد من السجون ومراكز الاحتجاز الليبية، وتظهر بعض المقاطع أشخاصاً مقيدين بالسلاسل، فيما تظهر مشاهد أخرى ما وصفه الناشطون بالتعذيب وسوء المعاملة.

إعلان

وبحسب روايات الناشطين، فإن المحتجزين يعانون من نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب والرعاية الطبية، فضلاً عن ظروف احتجاز قاسية وسوء معاملة. كما تحدث ناشطون عن وفاة بعض المحتجزين نتيجة الجوع والمرض والتعذيب، وهي ادعاءات تحتاج إلى تحقيق مستقل لتحديد حجم الانتهاكات والمسؤولين عنها.

مأساة خلف القضبان

تثير المقاطع المتداولة تساؤلات جديدة بشأن أوضاع السودانيين الموجودين في ليبيا، خصوصاً في ظل غياب معلومات رسمية كافية عن أعداد المحتجزين وأماكن وجودهم والظروف التي يعيشون فيها.

ويرى ناشطون أن استمرار احتجاز السودانيين في ظروف قاسية يمثل مأساة إنسانية تتطلب تحركاً دبلوماسياً عاجلاً من الحكومة السودانية، بدلاً من الاكتفاء بمتابعة أوضاع الهجرة عبر البيانات والتصريحات العامة.

ويطالب الناشطون وزارة الخارجية والسفارات والقنصليات السودانية في ليبيا بالكشف عن الإجراءات التي اتخذتها لمتابعة أوضاع السودانيين المحتجزين، وحصر أعدادهم، والتأكد من حصولهم على الغذاء والمياه والعلاج، والعمل على إطلاق سراح من لا تستند حالات احتجازهم إلى إجراءات قانونية واضحة.

الهجرة من الحرب والفقر

لم تبدأ رحلة السودانيين إلى ليبيا مع اندلاع الحرب الحالية، إذ دفعت الأوضاع الاقتصادية الصعبة وانعدام فرص العمل آلاف الشباب إلى سلوك طرق الهجرة غير النظامية عبر ليبيا، بحثاً عن فرص أفضل في أوروبا.

لكن اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 فتح موجة جديدة من الهجرة والنزوح خارج البلاد، بعدما فر آلاف السودانيين من مناطق القتال بحثاً عن الأمن والحماية، واتجه بعضهم إلى ليبيا عبر طرق صحراوية شديدة الخطورة.

وعلى امتداد هذه الرحلات، تعرض سودانيون لمخاطر متعددة، من بينها الضياع والموت في الصحراء، والاختطاف والاتجار بالبشر والابتزاز، بينما حاول آخرون الوصول إلى الساحل الليبي تمهيداً لعبور البحر المتوسط إلى أوروبا.

الموت في الصحراء والبحر

تحولت طرق الهجرة عبر الصحراء الكبرى إلى مسارات للموت بالنسبة لكثير من السودانيين، إذ يواجه المهاجرون ظروفاً مناخية قاسية ونقصاً في المياه والغذاء، فضلاً عن مخاطر العصابات وشبكات الاتجار بالبشر.

أما الذين يصلون إلى الساحل الليبي، فإن بعضهم يحاول عبور البحر الأبيض المتوسط على متن قوارب متهالكة، في رحلة محفوفة بخطر الغرق والموت، أملاً في الوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي بحثاً عن الأمن والعمل والتعليم وتحسين أوضاع أسرهم.

وهكذا يجد السوداني الفار من الحرب نفسه أمام سلسلة متواصلة من المخاطر؛ يبدأ بعضها داخل بلاده بسبب الحرب، ثم يتواصل في طرق الهجرة والصحراء، وقد ينتهي بالاحتجاز أو الاتجار أو الموت في البحر.

حملات أمنية واحتجاز

تأتي هذه التطورات وسط حملات أمنية تنفذها السلطات الليبية ضد المهاجرين واللاجئين، بما في ذلك السودانيون، في مناطق مختلفة من ليبيا.

ويشير ناشطون إلى أن حملات الاعتقال تطال أعداداً كبيرة من السودانيين، خصوصاً الموجودين بصورة غير نظامية، قبل نقل بعضهم إلى مراكز احتجاز تفتقر، وفق روايات متداولة، إلى الظروف الإنسانية المناسبة.

وتزداد حساسية الملف بسبب تعدد الجهات الأمنية والعسكرية التي تسيطر على مناطق مختلفة من ليبيا، وما يترتب على ذلك من تعقيدات في تحديد الجهة المسؤولة مباشرة عن كل مركز احتجاز أو عملية توقيف.

أين الحكومة السودانية؟

في مواجهة هذه التقارير، يطرح ناشطون ومهتمون بحقوق السودانيين في الخارج أسئلة مباشرة على الحكومة السودانية ووزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية في ليبيا.

من المسؤول عن حماية السودانيين الموجودين في ليبيا؟ ومن يتابع أوضاع المحتجزين؟ وهل تمتلك السفارة السودانية سجلاً بأعداد المحتجزين وأماكن وجودهم؟ وما الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للمطالبة بالإفراج عن المحتجزين بصورة غير قانونية؟

كما يطالب الناشطون الحكومة السودانية باستخدام القنوات الدبلوماسية للضغط على السلطات الليبية من أجل تحسين ظروف الاحتجاز، وضمان وصول المحتجزين إلى الغذاء والمياه والعلاج، ومنع التعذيب وسوء المعاملة، وفتح تحقيق في أي انتهاكات تثبت صحتها.

مسؤولية السلطات الليبية

ولا تقتصر المطالب على الحكومة السودانية؛ إذ تواجه السلطات الليبية أيضاً دعوات إلى احترام حقوق المهاجرين واللاجئين، ووقف أي تعذيب أو معاملة مهينة، وضمان أن تتم عمليات التوقيف والاحتجاز وفق القانون.

ويطالب ناشطون بفتح تحقيق مستقل في المقاطع المصورة المتداولة، والتحقق من هوية الأشخاص الذين ظهروا فيها ومكان تصويرها وتاريخها، ومحاسبة أي أفراد أو جهات يثبت تورطهم في التعذيب أو الحرمان من الغذاء والمياه والعلاج.

كما يشددون على ضرورة تمكين المنظمات الإنسانية والحقوقية من الوصول إلى أماكن الاحتجاز ومتابعة أوضاع السودانيين المحتجزين، بما يضمن عدم تحول مراكز الاحتجاز إلى أماكن مغلقة بعيداً عن الرقابة.

أزمة تتجاوز الهجرة

تكشف مأساة السودانيين في ليبيا عن أزمة أوسع من مجرد الهجرة غير النظامية؛ فهي ترتبط بالحرب والفقر والنزوح وتراجع فرص العمل، وبعجز كثير من الشباب عن بناء مستقبل داخل بلدهم.

فالمواطن الذي يهرب من الحرب لا يبحث بالضرورة عن حياة الرفاه، وإنما عن مكان آمن يستطيع فيه العمل أو الدراسة أو إعالة أسرته. وعندما يجد نفسه بعد رحلة شاقة خلف القضبان، مجرداً من حريته أو معرضاً للتعذيب والإهانة، فإن الأزمة تتحول من قضية هجرة إلى قضية حقوق إنسان وحماية مواطنين سودانيين خارج حدود بلادهم.

اتهامات بالتجنيد القسري

وتتجاوز الاتهامات المتداولة بشأن أوضاع السودانيين المحتجزين في ليبيا مسألة التعذيب وسوء المعاملة، إذ تتحدث روايات ناشطين سودانيين عن إجبار بعض اللاجئين والمحتجزين قسراً على الانضمام إلى قوات الدعم السريع للقتال داخل السودان، بعد إخضاعهم، بحسب هذه الروايات، للتدريب داخل الأراضي الليبية.

وتوجه هذه الاتهامات بصورة خاصة إلى السلطات التابعة لخليفة حفتر في شرق ليبيا، حيث يقول ناشطون إن بعض السودانيين المحتجزين تعرضوا لضغوط وإكراه بهدف تجنيدهم وإرسالهم إلى السودان للقتال في صفوف الدعم السريع.

وبحسب الروايات ذاتها، فإن عملية التجنيد المزعومة تبدأ باحتجاز السودانيين في مراكز تابعة للسلطات الليبية، قبل إخضاع بعضهم للتدريب العسكري ثم نقلهم إلى الأراضي السودانية. ولا تتوفر، حتى الآن، معلومات مستقلة كافية للتحقق من حجم هذه الممارسات أو عدد السودانيين الذين يُعتقد أنهم تعرضوا لها.

وتضع هذه الاتهامات الملف في مستوى أكثر خطورة، إذ إن ثبوت إجبار لاجئين أو محتجزين على المشاركة في نزاع مسلح خارج ليبيا سيمثل انتهاكاً جسيماً لحقوقهم، ويثير تساؤلات بشأن مسؤولية الجهات التي تحتجزهم أو توفر لهم التدريب أو تسهل نقلهم إلى مناطق القتال.

ويطالب ناشطون بفتح تحقيق مستقل في هذه الادعاءات، والتحقق من هوية المحتجزين الذين ظهرت قصصهم في هذا السياق، وأماكن احتجازهم، والجهات التي تتولى تدريبهم أو نقلهم، وصولاً إلى تحديد المسؤولين عن أي عمليات تجنيد قسري أو اتجار بالبشر أو نقل للمحتجزين إلى مناطق النزاع.

وتبقى المسؤولية الأكبر على عاتق الحكومة السودانية في معرفة مصير مواطنيها المحتجزين، والتحرك لحمايتهم، وعدم السماح بأن يتحول السوداني الفار من الحرب إلى ضحية جديدة على طرق الهجرة أو داخل مراكز الاحتجاز.

وبينما تنتظر عائلات سودانية معرفة مصير أبنائها، يظل السؤال مطروحاً: كم سودانياً يقبع اليوم في مراكز الاحتجاز الليبية؟ وكم منهم حصل على مساعدة قانونية أو قنصلية؟ وكم من هؤلاء وصل إلى ليبيا هرباً من الحرب ليجد نفسه أمام مأساة أخرى؟