مدني – لم تعد إزالة المنازل في قرية طيبة الشيخ عبد الباقي بولاية الجزيرة مجرد إجراء يتعلق بتنظيم الأراضي الحكومية، بعدما أثارت العملية جدلاً واسعاً بشأن قانونية الإزالة، وأوضاع الأسر التي فقدت مساكنها، والاتهامات بوجود دوافع مرتبطة بالانتماء الجغرافي والإثني. وبين رواية المتضررين الذين يتحدثون عن استهداف وتشريد، وبيان محلي يؤكد أن ما جرى تطبيق للقانون على تعديات في أراض حكومية، تبرز الحاجة إلى تحقيق مستقل يكشف ملابسات ما حدث ويحدد المسؤوليات.

وتكشف القضية، التي تصاعد الجدل حولها في أواخر أكتوبر الماضي، عن تعقيدات أوسع تتصل بملكية الأراضي وحقوق السكن في ولاية الجزيرة، حيث تتداخل الأراضي الحكومية والزراعية والحيازات التقليدية، إلى جانب أوضاع سكان الكنابي الذين استقروا في مناطق زراعية لعقود، وأصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للولاية.

موقع القرية وخلفية النزاع على الأرض

تقع قرية طيبة الشيخ عبد الباقي جنوب شرقي مدينة ود مدني، وتتبع إدارياً لوحدة بركات، فيما تربطها بعض المصادر بمحلية الحصاحيصا. وتضم القرية سكاناً من المنطقة، إلى جانب أسر قدمت من غرب السودان واستقرت فيها منذ سنوات طويلة، وعمل أفرادها في الزراعة والأنشطة المرتبطة بها، وأقاموا منازل ومجتمعات سكنية.

ويكتسب ملف الأرض في الجزيرة حساسية خاصة بسبب تداخل أنظمة الحيازة والملكية، بما في ذلك الأراضي الحكومية والمشروعات الزراعية والحواكير والحقوق التقليدية. كما ترتبط أوضاع سكان الكنابي، وهي تجمعات سكنية نشأت تاريخياً حول المشروعات الزراعية، بنقاشات ممتدة بشأن حق السكن والاستقرار والخدمات والاعتراف القانوني بحيازاتهم.

وقد ازدادت حساسية هذه الملفات بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، وما تبعها من نزوح واسع وتغيرات في التركيبة السكانية، فضلاً عن تصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن مواقف بعض المجتمعات المحلية خلال سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء من ولاية الجزيرة. غير أن تلك الاتهامات لا تصلح أساساً للمساءلة الجماعية، ولا تثبت مسؤولية أي فرد أو مجموعة من دون أدلة وإجراءات قانونية عادلة.

كيف بدأت عمليات الإزالة ؟

بحسب بيان مركزية مؤتمر الكنابي الصادر في 30 أكتوبر 2026، نفذت وحدة حماية الأراضي الحكومية عملية إزالة في قرية طيبة الشيخ عبد الباقي، قالت المركزية إنها جرت بقيادة مدير الجهاز، الذي سمّته عز الدين، وأسفرت عن هدم عدد كبير من المنازل.

وذكرت المركزية أن العملية نُفذت دون منح الأسر مهلة كافية لإخراج مقتنياتها الأساسية، وأن عدداً من المنازل تحول إلى أنقاض بينما كان أصحابها يشاهدون عملية الهدم. كما اتهمت السلطات بعدم مراعاة الأوضاع الإنسانية للأسر المتضررة، وطالبت بوقف الإزالات ومراجعة الإجراءات المتخذة.

وتضاربت الأرقام المنشورة بشأن حجم الأضرار؛ إذ قالت مركزية مؤتمر الكنابي إن أكثر من 200 منزل هُدم، وإن أكثر من 200 منزل آخر أصبح مهدداً بالإزالة، مشيرة إلى تضرر أكثر من 100 أسرة ووجود أكثر من 300 طفل، بينهم رضع، في أوضاع وصفتها بأنها تشريد في العراء.

في المقابل، نقلت تقارير تقديرات أقل، تحدثت عن إزالة نحو 100 منزل وتشريد قرابة 200 أسرة. ولم تتوفر حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق بيانات رسمية مستقلة تحسم عدد المنازل التي أزيلت أو الأسر التي تضررت، الأمر الذي يستدعي عدم اعتماد أي من الأرقام المتداولة بوصفها حصيلة نهائية.

المتضررون يتحدثون عن استهداف بسبب الانتماء

يقول متضررون إن ما جرى لم يكن مجرد تنفيذ لإجراء إداري متعلق بالأراضي، بل استهداف طالهم بسبب أصولهم الجغرافية وانحدارهم من مناطق غرب السودان. ويؤكدون أن المنازل التي أزيلت لم تكن مباني حديثة أو مؤقتة، وإنما حصيلة سنوات من العمل والاغتراب والاستدانة، وأن بعض الأسر عاشت في المنطقة زمناً طويلاً قبل اندلاع الحرب.

وتشير إفادات المتضررين إلى أن خطاباً إقصائياً ظل يتردد في المنطقة، يتضمن التشكيك في حق بعض الأسر في الإقامة، عبر عبارات من قبيل «أنتم لستم من هنا». ويرى أصحاب هذه الرواية أن الإزالة جاءت في سياق أوسع من التوترات المرتبطة بالهوية والانتماء، خصوصاً بعد الحرب وما صاحبها من اتهامات طالت سكاناً من غرب السودان بشأن مواقفهم خلال سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء من الجزيرة.

وظهر أحد القيادات الأهلية في مقطع مصور اتهم فيه السلطات بممارسة التمييز، ووجه اتهامات بالفساد إلى والي الجزيرة، مطالباً بتحقيق مستقل وشفاف ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تجاوزات. كما طالبت مركزية مؤتمر الكنابي رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بالتدخل العاجل لوقف عمليات الإزالة ومراجعة الإجراءات، وتوفير مساكن آمنة للأسر المتضررة وتعويضها.

وتظل هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقيق مستقل، لا سيما أن تحديد ما إذا كانت الإزالة استهدفت مجموعة سكانية بعينها يتطلب فحص قرارات الإزالة، وسجلات ملكية الأراضي، ومعايير اختيار المنازل المشمولة بالإجراء، ومقارنة أوضاع الأسر المتضررة بغيرها من السكان.

مقطع مصور يوسع دائرة الجدل

وفي 3 نوفمبر، انتشر مقطع مصور من القرية أثار نقاشاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي. ويظهر التسجيل رجلاً مسناً يشير بعصا إلى علامات بيضاء على جدار، موضحاً حدود قطعة أرض، قبل أن يظهر شاب يتحدث بصوت مرتفع وسط مجموعة من الرجال في نقاش يتعلق بالأرض.

لكن المقطع لا يوثق عملية هدم للمنازل، ولا يظهر أمراً رسمياً بالإزالة، كما لا يتضمن دليلاً على أن شيخ العركيين أصدر توجيهاً بتنفيذها. ورغم ذلك، تداولت صفحات على مواقع التواصل صياغات نسبت إلى الشيخ إصدار أمر بالإزالة، من دون تقديم وثائق أو أدلة تدعم هذا الادعاء.

وأدى تداول المقطع إلى انقسام في ردود الفعل؛ إذ ركزت بعض التعليقات على حقوق الأرض والحواكير، بينما اعتبرت أخرى أن ما حدث يمثل استهدافاً للسكان وتهجيراً لهم. وفي ظل حساسية النزاعات المتعلقة بالأرض والانتماء في الجزيرة، يثير نشر اتهامات غير موثقة ضد أشخاص أو مكونات أهلية مخاطر نقل القضية من مسار المطالبة بالحقوق والمساءلة القانونية إلى مواجهة ذات طابع قبلي.

بيان طيبة : الإزالة إجراء قانوني

في المقابل، أصدرت منطقة طيبة الشيخ عبد الباقي بياناً في 4 نوفمبر 2026، نفت فيه أن تكون الإزالة قد استهدفت مجموعة سكانية على أساس إثني أو جغرافي، وقالت إن ما جرى إجراء رسمي لتنفيذ القانون وإزالة تعديات على أراض حكومية.

وأوضح البيان أن الجهة المنفذة هي وحدة حماية الأراضي الحكومية، وأن الإجراءات شملت كل من ثبتت مخالفته للقوانين واللوائح المنظمة للأراضي الحكومية، بصرف النظر عن موقعه أو صفته. كما دعا إلى تحري الدقة في تداول المعلومات، محذراً من نشر ما وصفه بالمعلومات المضللة أو الإساءة والتشهير، ومؤكداً أن حكم القانون يجب أن يسري على الجميع.

غير أن البيان لم يرفق، بحسب المعلومات المتاحة، مستندات تفصيلية توضح طبيعة التعديات التي استدعت الإزالة، أو الوضع القانوني لكل قطعة أرض شملتها العملية، أو الإخطارات والمهل التي مُنحت للأسر قبل تنفيذ الهدم.

وهنا تتجاوز المسألة مجرد تبادل البيانات والاتهامات؛ إذ إن إثبات قانونية الإزالة يتطلب إتاحة القرارات والمستندات الرسمية، وتوضيح الأساس القانوني الذي استندت إليه السلطات، والتحقق من اتباع الإجراءات الواجبة، بما فيها إخطار السكان وتمكينهم من الاعتراض أو الطعن أمام الجهات المختصة.

ما الذي تثبته المعلومات المتاحة ؟

عند وضع الروايتين المتقابلتين أمام المعلومات المنشورة، يمكن التمييز بين وقائع وردت في بيانات الأطراف، واتهامات لم تُحسم بعد.

فالمعلومات المتاحة تشير إلى وقوع عملية إزالة لمنازل في طيبة الشيخ عبد الباقي، وإلى أن وحدة حماية الأراضي الحكومية هي الجهة التي تولت التنفيذ، وفقاً لما ورد في بيان مركزية مؤتمر الكنابي وبيان منطقة طيبة. كما تشير رواية المركزية إلى تضرر أسر وفقدانها مساكنها، بينما لم تتوفر حصيلة رسمية مستقلة تحدد العدد النهائي للمنازل والأسر المتضررة.

في المقابل، لا يوجد في المعلومات المنشورة ما يثبت أن شيخ العركيين أصدر أمراً بتنفيذ الإزالة، كما لم يُحسم الادعاء بأن العملية استهدفت السكان بسبب انتمائهم الجغرافي أو الإثني. كذلك لم تُنشر مستندات كافية تسمح بالتحقق من أن جميع المنازل التي أزيلت كانت مقامة على أراض حكومية بصورة غير قانونية.

وبذلك تظل القضية مفتوحة أمام روايتين متعارضتين، لا يمكن حسم الخلاف بينهما بالاكتفاء بالبيانات أو المقاطع المتداولة، وإنما يتطلب الأمر مراجعة الوثائق الرسمية وسماع إفادات السكان والجهة المنفذة، والتحقق من ظروف تنفيذ الإزالة وآثارها الإنسانية.

الإزالات بعد الحرب.. نزاع الأرض يتجاوز حدود طيبة

لا تنفصل قضية طيبة عن الجدل الذي صاحب عمليات إزالة أخرى في مناطق مختلفة من السودان، بما فيها مناطق في الخرطوم والجزيرة، حيث أثارت الإجراءات أسئلة بشأن ملكية الأراضي، وحقوق السكن، وحدود سلطة الجهات الحكومية في إزالة المباني، والضمانات التي ينبغي توفيرها للأسر المتضررة.

وفي الجزيرة تحديداً، اكتسبت هذه الخلافات أبعاداً إضافية بعد الحرب، مع تصاعد التوترات بين بعض المجتمعات المحلية، وانتشار اتهامات تتعلق بالتعاون مع قوات الدعم السريع خلال فترة سيطرتها على الولاية. وتظل هذه الاتهامات بحاجة إلى إثبات فردي عبر إجراءات قضائية عادلة، ولا يجوز تحويلها إلى أساس للتعامل مع مجموعات سكانية بأكملها أو المساس بحقوقها في السكن والملكية.

وفي الوقت نفسه، فإن وجود تعديات محتملة على أراض حكومية أو نزاعات بشأن الحيازات لا يلغي حق الدولة في تنظيم الأراضي وتطبيق القانون، لكنه يفرض أن تتم الإجراءات وفق معايير واضحة وموحدة، وبضمانات تمنع التمييز والتعسف، وتحمي الأسر من التشرد، وتتيح لها سبل الاعتراض والتظلم.

وتكشف طيبة عن تقاطع ثلاثة ملفات شديدة الحساسية في السودان: النزاع على الأرض، والتوترات المرتبطة بالهوية والانتماء، وضعف الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تحسم الخلافات بالقانون. وفي ظل استمرار الحرب والنزوح وتراجع قدرة كثير من الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، يمكن لأي إجراء لا ترافقه شفافية وضمانات إنسانية أن يتحول إلى مصدر جديد للتوتر الاجتماعي.

طيبة تحتاج إلى العدالة لا إلى الفتنة

ما حدث في طيبة الشيخ عبد الباقي لا ينبغي اختزاله في خلاف حول حدود قطعة أرض أو قانونية مبنى، فالمسألة تتعلق أيضاً بمصير أسر فقدت مساكنها، وبحق الأطفال في مأوى آمن، وبثقة المواطنين في أن القانون يحمي حقوقهم ولا يتركهم عرضة للتشريد أو التمييز.

وتتطلب معالجة القضية أربعة مسارات متزامنة من بينها تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وشفافة، تتولى مراجعة قرارات الإزالة والمستندات المتعلقة بالأراضي، والاستماع إلى إفادات المتضررين والجهة المنفذة، وتحديد ما إذا كانت الإجراءات قانونية أو شابتها تجاوزات أو تمييز، مع إعلان النتائج للرأي العام.

بالإضافة إلى توفير مأوى عاجل وكريم للأسر التي فقدت منازلها، وحصر الأضرار وتحديد احتياجات الأطفال والنساء وكبار السن، والنظر في تعويض المتضررين متى ثبت وقوع تجاوزات أو أضرار تستوجب التعويض. وتعليق أي عمليات إزالة جديدة في القرية إلى حين مراجعة الإجراءات والتحقق من الأوضاع القانونية للمنازل والأراضي، بما يضمن عدم تكرار الأضرار أو تنفيذ قرارات يصعب تدارك نتائجها الإنسانية.

فضلاً عن التصدي لخطاب الكراهية والاتهامات غير المدعومة بالأدلة، والامتناع عن تحميل مجموعات سكانية مسؤولية جماعية بسبب أصولها أو مناطقها، أو الزج بأسماء أشخاص في اتهامات لا تستند إلى معلومات موثوقة.

إ