الخرطوم – أثار استمرار شح الوقود في عدد من المدن السودانية، رغم وصول شحنات جديدة إلى الموانئ، تساؤلات بشأن آليات توزيع المحروقات وتسعيرها، ومدى انعكاس الإمدادات المستوردة على توفر الوقود في محطات الخدمة، في وقت يواجه فيه المواطنون طوابير انتظار طويلة وارتفاعاً في تكاليف النقل والتنقل.
وتجدد الجدل حول أسباب الأزمة بعد اتهامات بامتناع بعض شركات التوزيع عن طرح حصصها من الوقود في الأسواق والاحتفاظ بها داخل المستودعات، انتظاراً لزيادات محتملة في الأسعار، بينما تتواصل الضغوط على المواطنين والقطاعات التي تعتمد على الوقود في أنشطتها اليومية.
وقالت الصحفية رشان أوشي في مقال، إن باخرة استوردتها شركة النيل للبترول وصلت إلى الموانئ السودانية، وإن الشركة سلمت شركات التوزيع حصصها بعد تفريغ الشحنة، لكنها اتهمت بعض الشركات بالامتناع عن طرح الكميات المخصصة لها للبيع والاحتفاظ بها في المستودعات، انتظاراً لزيادة محتملة في الأسعار.
وأضافت أوشي أن شركة النيل ضخت حصتها في محطاتها، ما جعل معظم الوقود المتاح يتركز فيها، بينما أحجمت شركات أخرى عن البيع للمواطنين، وفق المعلومات التي أوردتها في المقال. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من أسباب احتفاظ الشركات بالكميات أو من حجم الوقود الموجود في المستودعات.
وفي ما يتعلق بالأسعار، ذكرت الكاتبة أن شركة النيل باعت اللتر لشركات التوزيع بسعر 9,250 جنيهاً، ليصل سعره للمستهلك إلى 9,400 جنيه، بينما وصل سعر اللتر الذي تبيعه بعض شركات التوزيع للمعدنين إلى 14 ألف جنيه، بحسب ما أوردته. واعتبرت أن هذا التفاوت يثير تساؤلات بشأن آليات التسعير والجهات التي تتحكم في توزيع المحروقات.
وأشارت أوشي إلى أن بنك السودان المركزي توقف عن توفير النقد الأجنبي المدعوم لشراء الوقود، بعد انتقال عمليات الاستيراد إلى نظام العطاءات، بدلاً من الآلية التي كانت تعتمد على مجموعات محددة من المستوردين. وربطت بين هذا التحول والخلافات حول مصالح الشركات التي كانت تحتكر الاستيراد وانتقلت لاحقاً إلى نشاط التوزيع.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت تشهد فيه البلاد اضطراباً في إمدادات الوقود منذ أسابيع، مع امتداد صفوف المركبات أمام محطات الخدمة وارتفاع الأسعار في عدد من الولايات. وكانت تقارير صحفية قد ربطت تفاقم النقص بتراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع تكاليف الاستيراد والرسوم، إلى جانب زيادة الطلب مع عودة السكان واستئناف الأنشطة التجارية في أجزاء من الخرطوم.
وانعكست الأزمة على حياة المواطنين والعاملين في قطاع النقل، إذ يضطر سائقون إلى قضاء ساعات طويلة في انتظار الوقود، ما يقلل ساعات العمل والدخل اليومي، ويرفع تكلفة تشغيل المركبات وأعباء المعيشة. كما أسهمت زيادة أسعار المحروقات في دفع تعرفة النقل إلى الارتفاع، بما يضيف ضغوطاً جديدة على الأسر والأسواق.
وكانت لجنة الطوارئ بولاية الخرطوم قد أقرت في 21 أكتوبر الماضي تدابير لتنظيم توزيع الكميات المتاحة، شملت تحديد سقف للتزود بالوقود، ومنع صرفه خارج خزانات المركبات، وتصنيف محطات الخدمة، ومنع المركبات غير المرخصة من التزود بالمحروقات، في محاولة للحد من التكدس أمام المحطات.
وفي المقابل، قال وزير الطاقة والنفط المعتصم إبراهيم، في تصريحات لوكالة السودان للأنباء يومي 2 و3 نوفمبر، إن البلاد تمتلك إمدادات كافية، وإن النقص الذي شهدته بعض المناطق نتج عن إجراءات مالية وإدارية وتأخر برمجة وصول البواخر، واصفاً ما حدث بأنه فجوات متفرقة وليست أزمة مستمرة.
وأشار إلى أن خطة الاستيراد تستهدف تغطية الاحتياجات لنحو ثلاثة أشهر، وأن لجنة مشتركة تضم الجهات المعنية تشرف على الاستيراد والإمداد والتوزيع والتسعير.
وفي الرابع من نوفمبر، أعلنت لجنة أمن محلية الخرطوم عن انفراج نسبي في توزيع الوقود وتراجع صفوف المركبات أمام بعض المحطات، عقب جولة ميدانية لمتابعة الالتزام بضوابط الصرف، مع ضبط مركبات وركشات ومواتر غير مرخصة. مرصد السودان الان
ودعت أوشي إلى مساءلة شركات التوزيع والجهات المعنية عن مصير الكميات المستلمة، معتبرة أن استمرار الندرة رغم وصول الشحنات يكشف، بحسب تقديرها، عن صراع بين قرارات الدولة ومصالح مجموعات تعمل في قطاع الوقود. كما ربطت تدخل رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في الملف بمحاولة فرض سلطة الدولة على عمليات الاستيراد والتوزيع.