نيويورك – السودان الآن
يتجه مجلس الأمن الدولي إلى التصويت غداً على مشروع قرار يقضي بتمديد العقوبات المفروضة على السودان في ملف الأسلحة لمدة شهر واحد، في خطوة تستهدف إتاحة وقت إضافي للمشاورات حول مقترح أمريكي لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء البلاد.
ويأتي التمديد القصير في ظل استمرار الخلافات داخل المجلس بشأن المشروع الأمريكي، الذي يواجه تحفظات من روسيا والصين والمجموعة الأفريقية وباكستان.
وتسعى المشاورات الجارية إلى التوصل إلى صيغة توافقية بشأن نطاق حظر الأسلحة، وسط تباين في مواقف أعضاء المجلس حول توسيع العقوبات لتشمل كامل الأراضي السودانية، بدلاً من نطاقها الحالي.
يدور الخلاف داخل مجلس الأمن الدولي حول مشروع القرار الأمريكي أساساً بشأن نطاق حظر الأسلحة المفروض على السودان، إذ تسعى واشنطن إلى نقل الحظر من نطاقه الحالي الذي يقتصر على إقليم دارفور إلى كامل الأراضي السودانية، مع إدراج الطائرات المسيّرة وأنظمتها والتقنيات المرتبطة بها ضمن نطاق الحظر.
ويعود نظام حظر الأسلحة إلى عام 2004، عندما فرض مجلس الأمن حظراً على الأسلحة والمعدات العسكرية للجهات غير الحكومية والأفراد العاملين في دارفور، قبل أن توسع القرار 1591 لعام 2005 نطاقه ليشمل أطراف اتفاق وقف إطلاق النار في نجامينا وأي أطراف متحاربة أخرى في الإقليم. ولا يزال الحظر، وفق النظام القائم، محدوداً جغرافياً بدارفور.
وتستند الولايات المتحدة في طرحها الجديد إلى تغير طبيعة الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023، إذ امتدت العمليات العسكرية إلى معظم أنحاء السودان، فيما أصبح استخدام الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية الحديثة جزءاً أساسياً من القتال. وكانت منظمات حقوقية قد دعت منذ سنوات إلى توسيع الحظر ليشمل كامل السودان، معتبرة أن اقتصاره على دارفور لم يعد يتناسب مع طبيعة النزاع الحالي.
ويحظى المبدأ العام لتوسيع الحظر بدعم أوروبي، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي في أبريل 2026 تأييده توسيع نطاق حظر الأسلحة الأممي ليشمل كامل السودان، إلى جانب توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليغطي الانتهاكات في أنحاء البلاد.
لكن المشروع الأمريكي اصطدم بتحفظات داخل مجلس الأمن، أبرزها من روسيا والصين، إلى جانب مواقف متحفظة من بعض الأعضاء الأفارقة وباكستان، في ظل اختلافات أعمق حول كيفية التعامل مع طرفي الحرب، وحدود العقوبات، وتأثيرها على قدرة الدولة السودانية على الحصول على المعدات العسكرية.
وتتمثل إحدى نقاط الخلاف الرئيسية في أن توسيع الحظر ليشمل كامل السودان لن يقتصر تأثيره على قوات الدعم السريع، بل سيشمل أيضاً عمليات شراء وتسليح القوات المسلحة السودانية، بما في ذلك المعدات التي تحصل عليها الحكومة عبر قنوات رسمية. ولهذا ترى الخرطوم أن الحظر الشامل قد يقيّد حق الدولة في الحصول على الأسلحة اللازمة للدفاع عن أراضيها ومؤسساتها، وهو موقف يتقاطع مع اعتراضات روسية على إجراءات قد تؤثر بصورة مباشرة على الجيش السوداني.
ويكتسب الموقف الروسي أهمية خاصة لأن موسكو عضو دائم في مجلس الأمن ويتمتع بحق النقض، ما يجعل تمرير أي قرار جوهري بشأن توسيع الحظر رهناً بالتوصل إلى صيغة لا تصطدم بموقفها. كما أن الصين، وهي عضو دائم أيضاً، تتحفظ تقليدياً على الإجراءات التي قد تُفسَّر باعتبارها تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول أو تمس سيادتها وحقها في إدارة شؤونها الأمنية.
أما الموقف الأفريقي، فله جذور سابقة في نقاش العقوبات المفروضة على السودان. ففي 2023، قدمت المجموعة الأفريقية في الأمم المتحدة موقفاً يدعم طلب السودان إنهاء العقوبات المفروضة بموجب القرار 1591، معتبرة أن الظروف التي استند إليها نظام العقوبات تغيرت، ودعت إلى إنهاء التدابير القسرية.
ولذلك فإن تحفظ بعض الأعضاء الأفارقة على توسيع الحظر لا يرتبط فقط بمشروع القرار الحالي، وإنما يعكس موقفاً أوسع يرى أن العقوبات يجب ألا تتحول إلى بديل عن الحل السياسي أو أداة تفرض من الخارج على السودان، وأن معالجة الحرب ينبغي أن تركز على وقف إطلاق النار والحوار السياسي ومعالجة جذور الأزمة.
في المقابل، يرى مؤيدو الحظر الشامل أن استمرار تدفق الأسلحة إلى طرفي الحرب ساهم في إطالة أمد النزاع وزيادة المخاطر على المدنيين، وأن حصر الحظر في دارفور يترك بقية الولايات خارج نظام الرقابة الأممية، رغم انتقال الحرب واستخدام الأسلحة والطائرات المسيّرة في مناطق مثل كردفان والجزيرة والخرطوم والنيل الأبيض وغيرها. وقد خلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن الدعم الخارجي بالأسلحة والتمويل والأفراد والتكنولوجيا عزز القدرات العسكرية لطرفي الحرب، ودعت إلى تطبيق حظر دارفور وتوسيعه ليشمل كامل السودان.
وتبرز الطائرات المسيّرة باعتبارها إحدى النقاط الجديدة في مشروع القرار الأمريكي؛ إذ لم يعد النقاش مقتصراً على الأسلحة التقليدية، وإنما يمتد إلى أنظمة المسيّرات ومكوناتها والتكنولوجيا المرتبطة بها، في ظل تصاعد استخدامها في الحرب ووصول الهجمات إلى مناطق بعيدة عن دارفور. وترى واشنطن ودول مؤيدة للتوسيع أن إدراج هذه التقنيات صراحةً ضروري لسد ثغرات يمكن أن تسمح باستمرار نقل القدرات العسكرية إلى طرفي النزاع.
وفي المقابل، تخشى الأطراف المتحفظة من أن يؤدي الحظر الشامل إلى معاملة متساوية بين الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع رغم اختلاف وضعهما القانوني والسياسي، وهو ما عبرت عنه الخرطوم ودول داعمة لها في مواقف سابقة. كما ترى هذه الأطراف أن فرض قيود جديدة على الحكومة قد يؤثر في قدرتها على مواجهة الدعم السريع واستعادة السيطرة على المناطق التي تسيطر عليها القوات شبه العسكرية.
وتزيد هذه الخلافات تعقيداً بسبب الجدل حول التدخلات الخارجية في الحرب. فبينما تدفع دول غربية باتجاه الحد من تدفق السلاح إلى قوات الدعم السريع والقوات المسلحة، تتبادل الأطراف السودانية الاتهامات بشأن الجهات الخارجية التي تقدم السلاح والتمويل والدعم العسكري. كما وثقت جهات دولية وصول أسلحة ومعدات عسكرية حديثة إلى طرفي الحرب، ما جعل ملف الإمداد الخارجي أحد المحاور الرئيسية في النقاش حول مستقبل العقوبات.
ويأتي ذلك كله مع اقتراب انتهاء نظام العقوبات الحالي، الأمر الذي دفع أعضاء المجلس إلى البحث عن صيغة مؤقتة تتيح استمرار العقوبات وتمنحهم وقتاً إضافياً للتفاوض حول مشروع القرار الأمريكي. ومن هنا برز خيار التمديد لمدة شهر واحد بدلاً من التمديد لفترة أطول، بهدف منع سقوط نظام العقوبات بسبب عدم التوافق، مع إبقاء باب المشاورات مفتوحاً حول مسألة توسيع حظر الأسلحة.
وبالتالي، فإن الخلاف داخل مجلس الأمن لا يدور حول حظر الأسلحة في حد ذاته فقط، وإنما يعكس صراعاً أوسع حول كيفية التعامل مع الحرب السودانية: هل تكون الأولوية لتقييد مصادر التسليح للجانبين باعتبار ذلك وسيلة للضغط من أجل وقف الحرب، أم أن العقوبات الشاملة قد تضر بقدرة مؤسسات الدولة على الدفاع عن نفسها وتزيد من تعقيد فرص التسوية؟
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الوصول إلى توافق يتطلب صياغة توازن بين حماية المدنيين والحد من تدفق الأسلحة من جهة، ومراعاة مواقف الدول التي ترفض توسيع العقوبات أو ترى فيها مساساً بسيادة السودان وقدرة حكومته على الحصول على احتياجاتها الدفاعية من جهة أخرى.
وفي ظل تمسك روسيا والصين بمواقفهما المتحفظة، تبدو المفاوضات داخل المجلس حاسمة لتحديد ما إذا كان المشروع الأمريكي سيمر بصيغته الحالية، أم سيُعدّل، أم يُستبدل بتمديد مؤقت لنظام العقوبات القائم.