على الجدار…
نصر يعقوب “كوكر ”
في محلية أمبدة ، تحديداً داخل مقر المجلس التشريعي، يقف النازحون، لم يعودوا ينتظرون الطعام فقط بل، ينتظر كلمة (تفضلي يا أمي) التي لم تعد تُقال. ينتظرون إعترافاً بإنسانيتهم التي سقطت سهواً من دفاتر الإغاثة.
زرت المكان الذي يديره منظمة الإعمار الخيرية للتنمية، بالتنسيق مع مفوضيات ولايات دارفور، للوقف على سير عملية التوزيع، كان المشهد صادماً لدرجة الصمت ، أسر هربت من صوت الرصاص، لتقع في فخ الصوت آخر أكثر قسوة “ارجعي بكرة” لتجد نفسها أمام جدار الستفزاز والإهمال”.
القضية لا تكمن في تأخر وصول سلال، القضية في أن الاغاثة نفسها تحولت إلي عقاب جماعي، القوائم تتغير بين ساعة وأخرى كأنها ورق لعب، الأسماء تدخل، “عينك يا تاجر ” بتوصية من اللجنة، وتُحذف بحجة باردة. والأم المسنة التي لا تملك” ظهراً” تجلس على الأرض وتسمع الجملة القاتلة تتكرر، القائمة اكتملت….تعال بكرة، من يسألها كيف دفع حق الموصلات؟ ومن يعوضها اليوم الذي ضاع؟ ومن يرد لها التعب الذي لا يُقدر بمال؟
ما يحدث في أمبدة ليس خطأ فردياً، هو خلل كبير لغياب التخطيط وغياب الرقابة، عندما تتحول اللجان من خادم للناس إلي بواب الرزق. وعندما تتحول المنظمات إلي شاحنات تُسلم وتغادر، دون أن تسأل، من أكل؟ ومن جاع؟
دعونا نتذكر….المساعدات الإنسانية ليست صدقة ولا منحة من مسؤول. هي حق منصوص عليه، وواجب قانوني وأخلاقي، هذا النازح فقد بيته وأرضه وأمنه فبالله عليكم لا تسلبوه آخر ما تبقى له…. كرامته!
لماذا نتركه فريسة للاستفزاز؟ أين دور المفوضين؟ وأين أعين المتابعة؟
▪️على الجدار….
إن استمرار هذا الوضع يعني أننا نحول العمل الانساني إلي اداة فرز اجتماعي جديدة. من له معارف يأكل ،ومن لا يملك ينتظر.
الحل ليس في مزيد من السلال فحسب، بل في ضرورة هيكلة عاجلة للجان التوزيع، وإدخال ممثلين حقيقيين للنازحين، حتى تكون هناك شفافية وضمان وصول إلى المستفيد الحقيقي. كذلك نشر القوائم بشكل دوري، مع وضع آلية شكاوى ومحاسبة واضحة لكل من يتلاعب بقوت الجائع.
النازح دفع ثمن الحرب مرة بدمه. لا تجعلوه يدفعه مرة ثانية بكرامته. تذكروا، الإغاثة التي تُهين صاحبها ليست إنقاذاً. هي طعنة جديد في ظهر الوطن.
سنظل نكتب على الجدار.