كتبت / أميرة أحمد عمر

في الأوقات التي تضيق فيها الحياة بالناس، وتُغلق أمامهم أبواب النجاة، تظهر معادن المجتمعات الأصيلة، وتنكشف حقيقة الروابط التي تجمع أبناءها. وفي شمال الوادي، حيث خلّف القصف الجوي الذي استهدف مناطق التعدين الأهلي في منطقة العقيدات قرب سوق الأنصاري، يوم السبت 10 أكتوبر 2026، قتلى وجرحى ومفقودين، ونزوحاً نحو الجبال في ظروف بالغة القسوة، برز موقف إنساني لأبناء الرشايدة في منطقة الرتج بشرق السودان، أعاد إلى الأذهان واحدة من أعمق خصائص المجتمع السوداني: الفزعة والتكافل وإغاثة الملهوف وقت الشدة.

بينما كان المصابون بحاجة إلى الإسعاف، والعالقون في الجبال يبحثون عن الماء والغذاء والدواء، تحرك شباب من الرشايدة بسيارات الدفع الرباعي، وشقوا الطرق الوعرة نحو المنطقة المنكوبة. حملوا الجرحى ونقلوهم إلى سوق الأنصاري لتلقي العلاج، وسعوا إلى إيصال الإمدادات إلى العالقين، في مبادرة أهلية تجسد معنى المسؤولية الإنسانية حين تتحول النجدة من واجب أخلاقي إلى فعل ملموس ينقذ الأرواح.

لم ينتظر هؤلاء أن تتحرك المؤسسات أو تصدر البيانات، بل بادروا بما توافر لديهم من إمكانات، واضعين حياة الإنسان في مقدمة أولوياتهم. وفي بلد أنهكته الحرب والأزمات، تصبح مثل هذه المبادرات أكثر من مجرد أعمال إغاثة؛ إنها رسالة بأن المجتمع، رغم ما أصابه من انقسام ومعاناة، لا يزال يحتفظ بقدرته على التضامن ومساندة المحتاجين.

ليست الفزعة في المجتمع السوداني سلوكاً طارئاً فرضته الحروب والكوارث، بل هي جزء من منظومة اجتماعية راسخة تشكلت عبر تاريخ طويل من التعايش، والتعاون، والاعتماد المتبادل بين الناس. فمن القرى إلى المدن، ومن البوادي إلى مناطق النزوح، اعتاد السودانيون أن يتقاسموا ما يملكونه في أوقات الشدة، وأن يهبوا لمساعدة من تحاصره المحن، حتى عندما لا تربطهم به صلة قرابة أو انتماء قبلي مباشر.

في القرى، تتجلى هذه الروح في التعاون عند الأزمات والمرض والوفاة، وفي إيواء العابرين وإطعام المحتاجين. وفي البوادي، تبرز في نجدة التائهين ومساعدة المنقطعين عن الماء والزاد. أما في المدن ومناطق النزوح، فتظهر في جمع التبرعات، وإعداد الطعام، ونقل المصابين، وفتح المنازل أمام الأسر التي فقدت مساكنها.

وخلال الحرب الراهنة، برزت المبادرات الشعبية وغرف الطوارئ والمطابخ الجماعية بوصفها وسائل مهمة لمساعدة المتضررين، في وقت تعجز فيه الخدمات العامة عن الوصول إلى قطاعات واسعة من السكان. وقد أثبتت هذه التجارب أن التكافل ليس مجرد قيمة أخلاقية يتغنى بها الناس، بل مورد اجتماعي حقيقي يمكن أن يخفف آثار الأزمات ويحمي الأرواح.

وفي هذا السياق، تأتي مبادرة أبناء الرشايدة في الرتج امتداداً لهذه التقاليد السودانية الأصيلة. فقيمتها لا تنبع فقط من حجم المساعدات التي قدموها، بل من توقيتها ومخاطر الطريق الذي سلكوه، ومن استعدادهم للتحرك نحو منطقة يفر منها الناس بحثاً عن الأمان.

فالذهب الحقيقي ليس ما تستخرجه المناجم من باطن الأرض، بل ما تكشفه المواقف الصعبة من شهامة الناس ومروءتهم واستعدادهم لإنقاذ الآخرين.

وراء هذه الملحمة الإنسانية تقف مأساة ثقيلة يعيشها المعدّنون والأسر المتضررة من القصف. فالقصف الجوي الذي استهدف المنطقة، وفق المعلومات المتداولة بشأن الحادثة، لم يخلّف خسائر بشرية فحسب، بل دفع أشخاصاً إلى الفرار نحو الجبال، حيث واجهوا نقصاً في المياه والغذاء والعلاج، فضلاً عن مخاطر البقاء في مناطق وعرة بعيداً عن الخدمات الأساسية.

وتزداد المأساة مع غياب حصيلة نهائية موثوقة للقتلى والجرحى والمفقودين. فقد تحدث ناشطون عن مقتل 53 شخصاً في إحصائية أولية، بينما أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 20 آخرين. ويعكس هذا التباين صعوبة حصر الضحايا، ولا سيما في ظل غياب جهة مستقلة تتولى إحصاء المعدّنين ومتابعة أوضاعهم، وصعوبة الوصول إلى جميع المتضررين.

كما أن الحديث عن العثور على قذائف غير منفجرة قيل إنها مصرية الصنع يضيف عنصراً مهماً إلى ملف الحادثة، يستدعي توثيق هذه الأدلة والتحقق منها فنياً، إلى جانب جمع الشهادات والمعلومات الطبية وتحديد مواقع القصف. فالأدلة المادية، متى خضعت للفحص المختص، يمكن أن تساعد في توضيح طبيعة الهجوم والجهة التي استخدمت الذخائر، وتدعم أي تحقيق مستقل في ملابساته.

ولا ينبغي أن يتحول تضارب الأرقام إلى سبب لتهميش المأساة أو التقليل من حجمها. فكل قتيل وراءه أسرة فقدت عائلها أو أحد أبنائها، وكل جريح يحتاج إلى علاج ورعاية، وكل مفقود يترك ذويه أسرى الانتظار والقلق.

وهنا تتجاوز مسؤولية المجتمع حدود المبادرات الفردية، لتشمل ضرورة تحرك الجهات السودانية المختصة لحصر الضحايا، والبحث عن المفقودين، وتوفير العلاج والإمدادات، ومتابعة الأسر المتضررة. فجهود أبناء الرشايدة، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تحل محل مسؤولية المؤسسات عن حماية المدنيين والاستجابة للكوارث.

تطرح هذه الحادثة سؤالاً أوسع من تفاصيل القصف والإغاثة : لماذا يظل السودانيون مضطرين إلى الاعتماد على المبادرات الأهلية لتوفير احتياجات أساسية يفترض أن تضمنها الدولة؟

إن ما يقدمه أبناء الرشايدة وغيرهم من السودانيين يستحق التقدير، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن فجوة مؤلمة بين قدرة المجتمع على التضامن وعجز المؤسسات عن توفير الحماية والخدمات على النحو المطلوب. فالمواطن الذي يخرج بحثاً عن الرزق، ثم يجد نفسه أمام القصف والنزوح والجوع، لا ينبغي أن يواجه مصيره وحده، ولا أن تصبح نجاته رهناً بوجود مجموعة من المتطوعين أو توافر سيارة دفع رباعي.

لقد حُرم السودانيون، عبر عقود من الصراعات والأزمات وسوء الإدارة، من فرص بناء دولة قوية ذات سيادة، قادرة على حماية أرواحهم وتوفير حياة كريمة لهم. ومع اندلاع الحرب، اتسعت الفجوة بين احتياجات المجتمع وقدرات المؤسسات، وأصبح المواطنون يدفعون أثماناً باهظة لأزمات لم يصنعها معظمهم.

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة المبادرات الشعبية أو تحميل المجتمع فوق طاقته، بل على العكس؛ إن ما يفعله المتطوعون يستحق أن يكون أساساً لبناء منظومة أكثر فاعلية للحماية والاستجابة الإنسانية. غير أن التكافل الأهلي لا ينبغي أن يتحول إلى بديل دائم عن الدولة، ولا أن تستخدم بطولات المواطنين للتغطية على غياب المساءلة أو ضعف الخدمات.

وتبقى الحكومة السودانية مطالبة بالتحرك بشأن القصف المنسوب إلى الجيش المصري، وطلب توضيحات رسمية من القاهرة، والعمل على كشف ملابسات الحادثة والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها التحقيقات، إلى جانب المطالبة بإنصاف الضحايا وأسرهم. كما يتعين عليها توفير الرعاية الطبية للمصابين، والبحث عن المفقودين، وتوثيق الخسائر البشرية والمادية.

فحماية المواطنين ليست منّة من الدولة، بل من صميم واجباتها، كما أن العلاقات بين السودان ومصر لا ينبغي أن تحول دون المطالبة بحقوق السودانيين وصون كرامتهم.

إن ما قام به أبناء الرشايدة في الرتج يستحق التحية والتقدير، ليس باعتباره إنجازاً لقبيلة في مواجهة قبائل أخرى، بل باعتباره موقفاً سودانياً أصيلاً جسّد معنى النجدة والتكافل في لحظة عصيبة.

ففي الأزمات، لا تُقاس قيمة المجتمعات بكثرة ما تملكه من ثروات، بل بقدرتها على حماية الإنسان ومساندته عندما يفقد أسباب الأمان. وما فعله هؤلاء الشباب يذكّر بأن الانتماء القبلي، حين يتجسد في خدمة الناس وإغاثة المحتاجين، يمكن أن يكون رافداً من روافد التضامن الوطني، لا حاجزاً بين السودانيين.

إن المأمول أن تمتد هذه الروح إلى مختلف مناطق السودان، وأن تتحول الفزعة من استجابة استثنائية للكوارث إلى ثقافة منظمة للتطوع والعمل الإنساني، تتكامل فيها جهود المجتمعات المحلية مع المؤسسات الصحية والإغاثية والجهات الرسمية.

وفي خضم الحزن على الضحايا والقلق على المفقودين، تبقى مبادرة أبناء الرشايدة نافذة أمل تؤكد أن الحرب لم تستطع أن تنتزع من السودانيين قيمهم الأصيلة، وأن الألم، على قسوته، لا يزال قادراً على استدعاء أجمل ما في الإنسان من شهامة ومروءة.

التحية لأبناء الرشايدة في الرتج، ولكل سوداني مدّ يده لإنقاذ إنسان أو تخفيف معاناة أسرة منكوبة. الرحمة للضحايا، والشفاء العاجل للجرحى، والأمل في عودة المفقودين إلى ذويهم.

فقد يخرج الذهب من باطن الأرض، لكن معدن الإنسان لا يظهر إلا في الشدائد.