على الجدار.. كتب / نصر يعقوب آدم “كوكر”

في زمنٍ تتشعّب فيه مظاهر الفساد وتتلوّن بأشكال مختلفة، تظلّ الصحافة هي العين الحقيقية التي تفضح ما تخفيه دهاليز السلطة والمال. الصحفي الحرّ ليس موظفاً يوزّع البيانات، بل شاهدٌ على العصر، يدوّن ما يحاول البعض دفنه تحت طبقات الصمت والخوف.

لكن في بلادي تبدو العجلة تدور في الاتجاه المعاكس. هنا يأمن الفاسد على نفسه ويطمئن إلى أن ملفه لن يُفتح، وحينها يُسجن الصادق بتهمة أنه قال ما يجب أن يُقال. وهكذا تُقلب المعادلة، فتصبح الجريمة الحقيقية هي كشف الجريمة.

أصدرت محكمة بورتسودان مؤخرًا حكماً بالسجن لمدة عام وغرامة عشرة ملايين جنيه على الصحفية “رشان أوشي”، على خلفية مقال تناولت فيه قضايا فساد. الحكم ليس مجرد رقم على ورقة، بل رسالة موجهة لكل صحفي يفكر في فتح ملف شائك: الثمن قد يكون حريتك.

المفارقة أننا لا نختلف على أهمية سيادة القانون وأنه فوق الجميع. لكن المشكلة تبدأ عندما يُنتقى القانون على مقاس القضية. فالأدهى والأمر أن يُحاكم الصحفي لأنه قال “هنا فساد”، بينما يُستقبل من قتل وشرّد واغتصب النساء وهجّر المئات من ديارهم بلا مساءلة.

عندما يصبح التخويف سياسة

العقوبات في قضايا النشر بهذه الطريقة لا تهدد مسيرة حرية الرأي فحسب، بل تتحول إلى رسالة تخويف مبطّنة لكل صحفي يحاول قول الحقيقة. والنتيجة معروفة: تراجع التغطية، وصمت المصادر، وعودة الفساد للعمل في الظلام بأمان أكبر.

وحين يصبح تخويف الصحفيين سياسة غير معلنة، فإن الفساد يجد لنفسه بيئة آمنة ليمتدّ ويتكاثر. فالفساد لا يزدهر حيث توجد صحافة قوية، بل حيث تغيب المحاسبة ويُسكت السؤال.

القانون للجميع.. والصحافة ضمانة للجميع

إن تطبيق القانون على الجميع ضرورة حتمية لا اختلاف فيها، لأنه رمز لدولة العدل والحكم الرشيد. لكن تطبيق القانون يجب أن يكون عادلاً ومنصفاً، لا انتقائياً ومخيفاً.

كما أن حماية الصحفي ليست امتيازاً يُمنح، بل ضمانة لمجتمع يريد أن يعرف الحقيقة. فحين تُكمم العين الحقيقية، يعمى الجميع. وحين يعمى الجميع، لا يعود أحد قادراً على رؤية الطريق.

السؤال الآن : هل نريد دولة تُحاكم فيها الحقيقة، أم دولة تُحاكم فيها الجريمة ؟

تحياتي للجميع