كتب / محمد عثمان جبريل
هنالك تحركات سياسية مريبة تجري هذه الأيام، خاصة ما يتعلق بفكرة تسليم بعض قيادات المليشيا والحديث المتزايد عن عفو عام، وكأن الدم السوداني أصبح مجرد ورقة تفاوض، وكأن الجرائم التي ارتكبت في حق المواطنين يمكن تجاوزها بصفقة سياسية أو تسوية مؤقتة تحفظ مصالح البعض وتضيع حقوق الضحايا.
في تقديري، الجيش والقوات المساندة قادرون على استعادة ما تبقى من السودان عسكرياً، خاصة بعد الضربات المتكررة التي استهدفت القدرات العسكرية والاستخباراتية للمليشيا، وبعد سقوط عدد من القيادات ذات التأثير الكبير داخل صفوفها. هذا الواقع كان يفترض أن يقود إلى حسم واضح، لا إلى ارتباك سياسي وتحركات تفتح أبواب الشك والتساؤلات.
لكن ما يحدث يوحي بأن التحرك السياسي أصبح يتقدم على الحسم العسكري، وكأن هناك من يسعى لإعادة تدوير الأزمة بدلاً من إنهائها، وكأن المطلوب ليس إنهاء التمرد بل إعادة ترتيبه في ثوب جديد.
ومن أخطر ما لا يجوز السكوت عنه: كيف لقوة تستسلم للجيش، ثم لا يتم تجريدها الكامل من السلاح؟ بل الأخطر من ذلك أن تُدفع هذه العناصر نفسها إلى الخطوط الأمامية للقتال، وكأن الولاء يُفترض افتراضاً بلا اختبار، وكأن الخيانة السابقة يمكن محوها بكلمة أو إعلان استسلام شكلي.
أي منطق هذا؟ وأي مؤسسة عسكرية تقبل أن تقاتل بجانب من كان بالأمس يوجه سلاحه نحوها؟
نحن لم ننسَ ما فعله البيشي من خيانة في بداية الحرب، ولم ننسَ كيف ساهمت الاختراقات والولاءات المزدوجة في تعقيد المشهد وإطالة أمد المعركة. لذلك فإن تكرار نفس الخطأ اليوم ليس مجرد سوء تقدير، بل تهديد مباشر لأمن الدولة ومستقبل الحرب نفسها.
المعركة ليست فقط معركة بندقية، بل معركة ثقة وولاء وموقف. ومن يستهين بهذه الحقيقة، يفتح الباب لكارثة جديدة قد تكون أخطر من السابقة.
السودان لا يحتمل المجاملات السياسية، ولا الصفقات الرمادية، ولا إعادة إنتاج الخيانة تحت لافتة المصالحة. الحسم الحقيقي يبدأ من وضوح الموقف: لا تساهل مع من حمل السلاح ضد الوطن، ولا مكان للرماديين في معركة مصير كهذه.