كتب / محمد عثمان جبريل

 

أثبتت التقارير الأخيرة أن إثيوبيا تقدم دعماً لوجستياً وعسكرياً لمليشيا الدعم السريع بصورة واضحة، وهو ما يكشف كيف تحولت الحرب السودانية من صراع داخلي إلى ساحة مفتوحة لاستثمار دول الجوار في الأزمة السودانية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية على حساب دماء السودانيين واستقرار البلاد.

إثيوبيا لا تتحرك بدافع إنساني ولا حرصاً على السلام، بل وفق حسابات دقيقة ترى في إضعاف الدولة السودانية فرصة تاريخية لتحقيق أهداف ظلت تسعى إليها منذ سنوات.

أول هذه الأهداف هو ملف سد النهضة الإثيوبي، ذلك المشروع الضخم القريب من الحدود السودانية والذي ظل يمثل مصدر توتر بين دول المنبع والمصب. السودان بحكم الجغرافيا هو أول المتأثرين بأي أخطاء تشغيل أو فيضانات محتملة، ولذلك ظل هذا الملف محل ضغط سياسي وفني مستمر. الحكومة الإثيوبية تدرك أن وجود دولة سودانية قوية وجيش متماسك يعني موقفاً أكثر صلابة في مواجهة أي تهديد مرتبط بالسد، لذلك فإن دعم مليشيا مسلحة أو الدفع نحو سلطة ضعيفة وموالية يضمن لها تقليل أي ضغط مستقبلي حول هذا الملف الحساس.

ثاني هذه الأهداف يتمثل في منطقة الفشقة الزراعية السودانية، وهي من أغنى المناطق الحدودية وأكثرها أهمية من الناحية الاستراتيجية والزراعية. هذه المنطقة تمثل عمقاً اقتصادياً مهماً، خاصة لإثيوبيا التي تعاني من تحديات زراعية مرتبطة بطبيعة الأرض والتضاريس المعقدة. وعندما استعاد الجيش السوداني الفشقة بعد معارك قوية هزم فيها التمدد الإثيوبي، أصبح واضحاً أن استقرار السودان وقوة جيشه يشكلان عائقاً مباشراً أمام الأطماع الإثيوبية في المنطقة.

أما الهدف الثالث فهو الاستفادة من الذهب المهرب عبر شبكات الدعم السريع، إلى جانب عمليات غسل الأموال المشبوهة، خاصة بعد العقوبات الدولية التي طالت شخصيات محورية مثل القوني دقلو، الذي كان يدير جانباً كبيراً من شركات المليشيا وشبكاتها المالية. ومع تضييق الخناق الدولي، أصبحت إثيوبيا ممراً مهماً لتحريك الأموال والذهب المنهوب من السودان، وهو ما يجعل استمرار الفوضى مصلحة اقتصادية مباشرة لبعض الأطراف هناك.

الحقيقة المؤلمة أن السودان لا يواجه فقط مليشيا متمردة، بل شبكة مصالح إقليمية كاملة ترى في انهياره فرصة للنفوذ والربح. ولذلك فإن المعركة لم تعد مجرد حرب داخلية، بل معركة سيادة وطن في مواجهة أطماع خارجية تستثمر في الدم السوداني بلا رحمة.