كتب / محمد عثمان جبريل
هذا المؤتمر اعتبره البعض كأنه طوق نجاة، بينما هو في نظر كثيرين مجرد مسرح جديد لتكرار نفس الخطاب الدولي الذي لم يوقف رصاصة واحدة. الغريب ليس في انعقاده، بل في الطريقة التي يُسوَّق بها: حديث كثيف عن السلام، مقابل غياب واضح للمنطق السياسي الحقيقي.
كيف يمكن لمؤتمر يُفترض أنه لوقف الحرب أن يُعقد دون حضور الأطراف الفعلية في الصراع؟ أي سلام هذا الذي يُطبخ في غياب من يحملون السلاح على الأرض؟ هذه ليست دبلوماسية، بل إعادة إنتاج للفشل بشكل أكثر أناقة.
الأكثر إثارة للغضب أن بعض الجهات المشاركة تُتهم بأدلة وشهادات متعددة بأنها جزء من المشكلة نفسها تمويل تسليح أو دعم سياسي وإعلامي لطرف دون آخر. حين تجلس هذه الأطراف على طاولة “السلام ، فهي لا تبحث عن إيقاف الحرب بقدر ما تبحث عن إعادة ترتيبها بما يخدم مصالحها.
خذ مثال حضور إثيوبيا. كيف يمكن لدولة تُثار حولها اتهامات بدعم أو تسهيل تحركات عسكرية عبر حدودها أن تُقدَّم كوسيط سلام؟ الحديث عن الهجوم على الكرمك وما يُقال عن انطلاقه من داخل الأراضي الإثيوبية يعكس تناقضًا صارخًا من يُفترض أنه وسيط، يُنظر إليه كجزء من ساحة الصراع.
المشكلة الأعمق ليست فقط في الخارج، بل في الداخل أيضًا. هناك من السودانيين من يتعامل مع هذه المؤتمرات بعاطفة مفرطة، كأن أي اجتماع دولي يعني تلقائيًا انفراجًا قريبًا. يتم الخلط بين الخطاب الإنساني الذي يبدو جميلًا وبين الحسابات السياسية الباردة التي تُدار خلف الكواليس. السلام ليس بيانات صحفية، ولا صورًا جماعية، بل توازنات قوة وإرادة حقيقية لوقف الحرب.
ثم تأتي المفارقة: انسحاب أو مغادرة وفود مثل المملكة العربية السعودية إن صحّت قراءته كرسالة سياسية يفتح الباب لتساؤلات أكبر. هل كان المؤتمر فعلًا منصة جادة للحل، أم ساحة لتكريس واقع معين؟ عندما تغادر دولة لها ثقلها، فذلك لا يُقرأ كحدث بروتوكولي عابر، بل كمؤشر على خلل عميق في طبيعة ما يجري.
في النهاية، الأزمة ليست في مؤتمر واحد، بل في نمط كامل من التعامل الدولي مع السودان: حديث مستمر عن السلام، مقابل أفعال على الأرض تُبقي الحرب مشتعلة. ما لم يتم الاعتراف بهذه الازدواجية بوضوح، سيظل كل مؤتمر جديد مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الخيبات.

