كتب / عبد الهادي عبدالله

أثار قرار الولايات المتحدة حجب تأشيرة الدخول عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، قبل مشاركته المقررة في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، جدلاً واسعاً حول حدود العلاقة بين الدولة المضيفة لمقر المنظمة الدولية وبين حق الدول الأعضاء في المشاركة في اجتماعاتها.

وبحسب مصادر دبلوماسية نقلت عنها وكالة رويترز، فإن منح تأشيرة البرهان يبدو مرتبطاً بموافقته على مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار في السودان لمدة 90 يوماً، طرحه مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس. وأفادت المصادر بأن الخرطوم أبدت تحفظات على المقترح، فيما لم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً أن الهدنة هي سبب حجب التأشيرة، مكتفية بالقول إنها لا تعلق على حالات التأشيرات الفردية.

وهنا تبرز المسألة الأساسية : هل يمكن ربط حق ممثل دولة عضو في الأمم المتحدة بالموقف الذي تتخذه حكومته من مبادرة سياسية أو عسكرية ؟

من الناحية السياسية، قد ترى واشنطن أن أدوات التأشيرات والعلاقات الثنائية جزء من وسائل الضغط الدبلوماسي على أطراف النزاعات. لكن من الناحية المؤسسية، تطرح الحالة السودانية سؤالاً أوسع يتعلق بالتزامات الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، خصوصاً أن اتفاق المقر الموقع عام 1947 يتضمن ترتيبات تتعلق بوصول ممثلي الدول إلى منطقة المقر.

تكتسب قضية البرهان بعداً إضافياً عند النظر إلى ما حدث اليوم مع إيران. فالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وصل إلى نيويورك وشارك في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة، ثم خاطب الجمعية العامة ”الأربعاء“ 23 سبتمبر، في وقت تخوض فيه إيران والولايات المتحدة مواجهة عسكرية مفتوحة. ونقلت رويترز عن بزشكيان قوله أمام الجمعية العامة إن إيران لن تستسلم للضغط الأمريكي، مع تأكيده في الوقت نفسه التمسك بالدبلوماسية.

وتكمن المفارقة هنا في أن واشنطن نفسها هي الطرف الآخر في الحرب مع طهران، ومع ذلك سُمح للرئيس الإيراني بالوصول إلى نيويورك ومخاطبة ممثلي 193 دولة من على منبر الجمعية العامة. وكانت واشنطن قد أكدت في وقت سابق أنها ستسمح للقيادة الإيرانية بحضور اجتماعات الجمعية العامة، رغم المواجهة بين البلدين.

وهذا لا يعني بالضرورة أن حالتي إيران والسودان متطابقتان من الناحية القانونية أو السياسية، لكنه يطرح سؤالاً يصعب تجاهله : إذا كان من الممكن أن يخاطب الرئيس الإيراني الجمعية العامة في ذروة مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، فلماذا يصبح حضور رئيس دولة أخرى موضع ربط بمسار تفاوضي حول هدنة ؟

هنا تحديداً تكتسب مسألة البرهان أهمية تتجاوز الخلاف ”السوداني- الأمريكي“، لتصل إلى طبيعة العلاقة بين الدولة المضيفة والمنظمة الدولية.

أيضاً تقدم واقعة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عام 1988 مثالاً تاريخياً بالغ الدلالة. فقد رفضت الولايات المتحدة آنذاك منح عرفات تأشيرة دخول للمشاركة في أعمال الجمعية العامة، ما دفع الأمم المتحدة إلى اتخاذ ترتيبات استثنائية لنقل مناقشة القضية الفلسطينية إلى جنيف، حيث تمكن عرفات من مخاطبة الجمعية العامة.

وتكتسب هذه السابقة أهميتها اليوم لأن السؤال لم يعد متعلقاً بشخص البرهان وحده، وإنما بقدرة الأمم المتحدة على حماية حق الدول والأطراف المعنية بأعمالها في الوصول إلى منبرها عندما تتعارض مواقفها مع الدولة المضيفة.

ولا تقف السوابق عند عرفات، فقد رفضت الولايات المتحدة أيضاً منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأشيرة دخول للمشاركة شخصياً في أعمال الجمعية العامة، في إطار الخلاف المتجدد بين واشنطن والقيادة الفلسطينية بشأن الصراع ”الفلسطيني – الإسرائيلي“.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تؤكد فيه دول عديدة دعمها لحل الدولتين، فيما تواصل الولايات المتحدة علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل وتدعمها سياسياً وعسكرياً في سياقات مختلفة.

ومن هنا يبرز سؤال سياسي حول مدى تأثير الاعتبارات المرتبطة بالعلاقة ”الأمريكية – الإسرائيلية“ على قرارات واشنطن المتعلقة بالتمثيل الفلسطيني داخل الأمم المتحدة.

ومع ذلك، فإن تكرار استخدام التأشيرات في سياقات النزاعات السياسية يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الدولة المضيفة تستخدم صلاحياتها الحدودية كأداة من أدوات الضغط السياسي.

في الحالة السودانية، تكمن الحساسية الأساسية في المعلومات التي تربط بين تأشيرة البرهان ومقترح الهدنة لمدة 90 يوماً. فالهدنة موضوع تفاوضي يمكن للأطراف السودانية مناقشة شروطه وقبولها أو رفضها أو طلب تعديلها. لكن المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة مسألة أخرى، لأنها تتعلق بعلاقة الدولة العضو بالمنظمة الدولية.

تثير الأزمة السودانية أيضاً تساؤلات حول شبكة المصالح الدولية والإقليمية المحيطة بالحرب. وقد يذهب بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن قرار واشنطن لا ينفصل عن مواقف أطراف إقليمية لها مصالح في الحرب السودانية وعلاقات مع الإدارة الأمريكية خاصة عند الحديث عن دولة الإمارات.

المهم هو أن تبقى القاعدة واضحة : منبر الأمم المتحدة ليس ملكاً للدولة المضيفة، حتى وإن كان مقره على أراضيها.

إن استمرار مثل هذه الأزمات يضع الأمم المتحدة أمام مسؤولية مؤسسية متزايدة. فالأمم المتحدة أنشئت لتكون مساحة للحوار بين الدول، بما فيها الدول التي تختلف أو تتصارع أو تدخل في حروب مباشرة. وإذا كانت الولايات المتحدة وإيران قادرتين، رغم الحرب، على إبقاء قنوات الوصول إلى الجمعية العامة مفتوحة، فإن ذلك يؤكد أهمية عدم تحويل التأشيرات إلى قاعدة انتقائية تمنح بعض الأطراف حق مخاطبة العالم وتحرم أطرافاً أخرى منه.

وفي الحالة السودانية، فإن المطلوب ليس أن تتخذ الأمم المتحدة موقفاً مؤيداً للبرهان أو للحكومة السودانية، وإنما أن تحمي مبدأ أوسع يتعلق بحق الدول الأعضاء في عرض مواقفها أمام الجمعية العامة.

وقد تكون سابقة عرفات دليلاً على أن المنظمة قادرة على إيجاد بدائل عندما تحول قيود الدولة المضيفة دون مشاركة أحد الأطراف.

في النهاية، لا ينبغي اختزال قضية البرهان في خلاف شخصي أو إجراء إداري يتعلق بالتأشيرة. فالقضية تمس سؤالاً أوسع عن مستقبل النظام متعدد الأطراف : هل تبقى الأمم المتحدة منصة تستطيع الدول من خلالها مخاطبة العالم مهما كانت خلافاتها مع الدولة المضيفة، أم تتحول تدريجياً إلى مساحة تتأثر أبوابها بحسابات القوة والسياسة ؟

إن السماح للرئيس الإيراني بمخاطبة الجمعية العامة اليوم، في ظل مواجهة عسكرية مباشرة بين طهران وواشنطن، يقدم مثالاً حياً على قدرة الأمم المتحدة على إبقاء منبرها مفتوحاً حتى في أكثر النزاعات حدة.

وفي المقابل، فإن منع أو تقييد مشاركة مسؤول سوداني في أعمال الجمعية العامة، إذا كان مرتبطاً فعلاً بموقف حكومته من هدنة أو مبادرة سياسية، يفتح نقاشاً مشروعاً حول حدود استخدام الدولة المضيفة لصلاحياتها.

وفي جميع الأحوال، فإن الحل لا يكمن في نقل الصراع إلى داخل الأمم المتحدة، بل في حماية المنظمة من أن تصبح ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الدولية.

فالأمم المتحدة وجدت لإدارة الأزمات وفتح أبواب الحوار عندما تغلقها الحروب، وليس لتحويل أبوابها نفسها إلى أوراق ضغط في الصراعات الدولية.