نيالا – السودان الآن
تكشفت تفاصيل مروعة حول أوضاع إنسانية وقانونية بالغة الخطورة يعيشها آلاف المعتقلين داخل سجن “دقريس“الواقع بمحلية نيالا في ولاية جنوب دارفور، والذي تحول من مشروع إصلاحي حكومي إلى مركز احتجاز رئيسي تسيطر عليه قوات الدعم السريع ويوصف محلياً بـ “مقبرة الأحياء”، وسط قلق حقوقي محلي ودولي متزايد من عمليات قتل ممنهج وتجويع للمحتجزين.
وفي هذا السياق، أفاد المحامي والمستشار القانوني، د. عبد الحميد عبد الله (باقا)، بأن تاريخ السجن يعود إلى العام 2016 عندما شرعت الإدارة العامة للسجون والإصلاح في تشييده تحت اسم “مدينة الخير الإصلاحية” كبديل لسجن نيالا القديم، غير أن اندلاع حرب منتصف أبريل حال دون افتتاحه رسمياً، لتستغله قوات الدعم السريع كمركز اعتقال يقع على بعد 20 إلى 25 كيلومتراً من عاصمة الولاية.
وذكر عبد الحميد عبد الله أن التقديرات الميدانية والحقوقية حول أعداد المحتجزين تتضارب نتيجة التعتيم الإعلامي والحصار المفروض؛ إذ تشير تقديرات مصادر حكومية سودانية إلى أرقام تتجاوز 160 ألف محتجز، في حين وثّقت “شبكة أطباء السودان” وجود نحو 19 ألف شخص، بينما تتراوح تقارير منظمات حقوقية دولية أخرى بين 4 إلى 9 آلاف محتجز، مبيناً أن الطاقة الاستيعابية للموقع المقدرة بـ 2000 متر مربع ضاقت تماماً، مما دفع القوات المسيطرة لضم مباني الإدارة ومنازل العاملين قسرياً وتحويلها إلى زنازين إضافية.
ونقل المستشار القانوني في مقال حصلت عليه “السودان الآن”، إفادات صادمة عن ناجين أُفرج عنهم مؤخراً، أكدوا فيها مواجهة المعتقلين لظروف تجويع ممنهج وقتل بطيء، حيث لا يحصل المحتجز سوى على وجبة شحيحة (قطعة خبز واحدة) ومياه غير صالحة للشرب وبكميات ضئيلة، مما أدى لوفيات شبه يومية نتيجة سوء التغذية الحاد والإهمال الطبي، فضلاً عن ممارسات التعذيب، والضرب المفضي للموت، والقتل خارج نطاق القضاء، مشدداً على أن من بين المحتجزين أطفال ونساء ومسنين تجاوزوا السبعين، يتعرضون لتمييز صارخ على أسس قبلية وإثنية.
وفي البعد القانوني والسياسي، انتقد عبد الحميد صمت من يُعرفون بـ “المستشارين القانونيين” لقوات الدعم السريع والقيادات المدنية الحليفة لها تحت لافتات “التأسيس”، معتبراً صمتهم شراكة مباشرة في هذه الجرائم، مستنكراً في الوقت ذاته غياب دور الإدارات الأهلية بدارفور تجاه تصفية المواطنين العزل، ومؤكداً أن 95% من المحتجزين مدنيون وليسوا عسكريين، مما يدحض تبريرات اتخاذهم كأسرى حرب ويفضح غياب أي منظومة قضائية تجعل من “الشك بالتخابر” حكماً فورياً بالإعدام أو التعذيب حتى الموت.
واختتم عبد الله مقاله بعقد مفارقة قضائية بين واقع السجن ومناطق سيطرة الدولة؛ حيث تجري الإجراءات الجنائية ضد المتهمين بالتعاون مع الدعم السريع في (الخرطوم، الولاية الشمالية، وود مدني) وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية السوداني، وبكفالة كاملة للحقوق والرعاية القانونية عبر المحامين ومكتب “العون القانوني” بوزارة العدل دون أي مضايقات أمنية ومنذ مراحل التحري الأولى، بخلاف ممارسات الدعم السريع التي لا تعترف بسوى لغة التعذيب والتنكيل والقتل.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، وُجهت اتهامات متعددة إلى قوات الدعم السريع تتعلق بملف الاحتجازات ومعاملة الأسرى في مناطق سيطرتها، خاصة خلال العمليات العسكرية.
وتشير تقارير وشهادات ناجين إلى أن بعض الجنود الذين وقعوا في أسر قوات الدعم السريع تعرّضوا لانتهاكات خطيرة، شملت سوء المعاملة وظروف احتجاز قاسية وتصفية ميدانية أو إعدامات خارج نطاق القانون عقب أسرهم في ساحات القتال، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.
وبحسب القانون الدولي الإنساني، يتمتع أسرى الحرب بالحماية الكاملة، بما في ذلك حظر القتل أو التعذيب أو المعاملة المهينة، وضمان الاحتجاز الإنساني وتوفير الغذاء والرعاية الطبية، إضافة إلى ضرورة معاملتهم وفق إجراءات قانونية واضحة وتحت إشراف موثق.
وتعتبر منظمات حقوقية أن هذه الاتهامات، في حال ثبوتها، تمثل انتهاكات جسيمة تستوجب التحقيق والمساءلة، خاصة في ظل غياب آليات شفافة لتوثيق أوضاع بعض المحتجزين في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.