الخرطوم – لم تعد هجمات الطائرات المسيّرة على منشآت الكهرباء في السودان حوادث متفرقة، مع اتساع نطاق الاستهدافات خلال الأيام الماضية لتشمل محطات تحويلية ومرافق حيوية في ولايات عدة، ما أدى إلى انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي وأثار مخاوف من تداعياتها على الخدمات الأساسية، خصوصاً المياه والرعاية الصحية.
وقال وزير الطاقة والنفط، المعتصم إبراهيم جاد الله، إن عدد الهجمات التي استهدفت المواقع الرئيسية للبنية التحتية للكهرباء بلغ نحو 15 إلى 16 هجمة، مشيراً إلى أنها طالت محطات تحويلية رئيسية ومحطات توليد ومنشآت أخرى. واتهم الوزير قوات الدعم السريع بتنفيذ الهجمات، وقال إن الغرض منها تعطيل الحياة وإيقاف الخدمات الأساسية للمواطنين.
وشملت الاستهدافات، وفق بيانات شركة كهرباء السودان القابضة، محطات سنجة والحواتة والفاو ومشكور والجنيد في 26 أكتوبر، وأدت الأضرار التي لحقت بها إلى انقطاع التيار عن ولايات سنار والقضارف والنيل الأبيض والجزيرة، وتأثر استقرار الشبكة الكهربائية القومية. كما تعرضت محطة المرخيات شمال أم درمان لهجوم في 27 أكتوبر، تسبب في خروجها عن الخدمة وتأثر أجزاء واسعة من الخرطوم ونهر النيل وولايات أخرى.
وامتدت الهجمات مطلع نوفمبر إلى شمال البلاد، إذ تعرضت محطتا الكهرباء في الدبة بالولاية الشمالية وأبو حمد بولاية نهر النيل لهجمات بطائرات مسيّرة في الأول من نوفمبر، تسببت في خروجهما عن الخدمة وانقطاع التيار عن مناطق متأثرة. وفي اليوم التالي، استهدفت مسيّرات محطتي حلفا الجديدة وأروما بولاية كسلا، ما أدى إلى انقطاع واسع للكهرباء في الولاية.
ووفقاً لمتابعات «السودان الآن» تعرضت 15 محطة كهرباء في تسع ولايات لهجمات خلال الفترة من 20 أكتوبر إلى الأول من نوفمبر، في نطاق جغرافي امتد من النيل الأبيض ووسط البلاد وشرقها إلى الخرطوم وشمال السودان.
وفي تطور على المسار الدبلوماسي، أعلنت وزارة الخارجية السودانية، الاثنين 2 نوفمبر، إيداع شكويين ضد إثيوبيا لدى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، على خلفية ما وصفته باستخدام أراضيها منصة لإطلاق مسيّرات استهدفت مواقع مدنية ومحطات كهرباء في عدد من الولايات السودانية.
وقالت الوزارة إن الحكومة أرفقت بالشكويين وثائق ومستندات قالت إنها تثبت استخدام قوات الدعم السريع الأراضي الإثيوبية لإطلاق مسيّرات انتحارية ومزوّدة بصواريخ، مطالبة أديس أبابا بوقف ما وصفته بالأعمال العدائية، وداعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات لمحاسبة المسؤولين عن الهجمات.
وبالتزامن مع الشكوى، عرض تقرير صادر عن مجلس السيادة الانتقالي، وفق ما أوردته تقارير عن الوثيقة الحكومية، حصيلة قال إنها تشمل 70 هجوماً خلال الفترة من 15 فبراير إلى 27 أكتوبر 2026، باستخدام 187 مسيّرة انتحارية و82 ذخيرة أُطلقت من مسيّرات استراتيجية. وقدّر التقرير عدد المدنيين الذين قُتلوا أو أُصيبوا بنحو 484 شخصاً، إلى جانب مقتل 176 من أفراد القوات المسلحة وإصابة 200 آخرين.
وحدد التقرير مواقع قال إنها استُخدمت لإطلاق المسيّرات، من بينها مطار أسوسا في غرب إثيوبيا، وقاعدة بحر دار الجوية، ومناطق حدودية في محيط الكرمك – قيزان. وتظل هذه الأرقام والمواقع جزءاً من الرواية الرسمية السودانية والوثائق التي قالت الحكومة إنها قدمتها للجهات الدولية، ولم يصدر تأكيد مستقل من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي بشأن صحتها.
وتنفي إثيوبيا اتهامات سابقة بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع أو السماح باستخدام أراضيها لشن هجمات على السودان، ووصفت في مايو الماضي الاتهامات السودانية بأنها لا أساس لها. وفي المقابل، اتهمت أديس أبابا الجيش السوداني بدعم مجموعات مرتبطة بجبهة تحرير تيغراي، وهي اتهامات رفضتها الخرطوم. ولم يتضمن الإعلان السوداني عن إيداع الشكويين رداً إثيوبياً فورياً على الشكوى الأخيرة.
وعلى المستوى الإنساني، حذرت الأمم المتحدة، الثلاثاء 3 نوفمبر، من استمرار الهجمات على البنية التحتية للطاقة، وقالت إن الضربات التي طالت منشآت كهربائية في كسلا ومروي ونهر النيل والبحر الأحمر وشمال كردفان والجزيرة تسببت في انقطاعات واسعة، أثرت على إمدادات المياه النظيفة، واضطرت السكان إلى استخدام مصادر مياه غير معالجة، بما يزيد مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه.
وجددت المنظمة الدولية دعوتها إلى احترام القانون الدولي الإنساني، في وقت تثير فيه الأضرار التي لحقت بمحطات الكهرباء مخاوف بشأن قدرة المرافق الصحية على مواصلة تقديم الخدمات، بما فيها المستشفيات ومراكز غسيل الكلى وحفظ الأدوية واللقاحات التي تتطلب درجات حرارة محددة.
وتضع هذه التطورات شبكة الكهرباء أمام ضغوط متزايدة، ليس فقط بسبب حجم الأضرار التي لحقت بالمحطات، وإنما أيضاً بسبب اتساع رقعة الاستهدافات وتأثيرها المتسلسل على الشبكة القومية. ويعني خروج محطة تحويلية رئيسية عن الخدمة احتمال تأثر مناطق تتجاوز موقع الهجوم، تبعاً لارتباطها بالشبكة وقدرة المحطات الأخرى على تعويض النقص.
كما تفتح الاتهامات السودانية بشأن انطلاق المسيّرات من الأراضي الإثيوبية ملفاً يتجاوز المواجهات العسكرية داخل البلاد، ويطرح أسئلة بشأن مصادر التسليح وخطوط الإمداد والجهات التي قد تكون متورطة في تشغيل هذه الطائرات. وتبقى الوثائق التي تقول الحكومة إنها قدمتها إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي أساساً يمكن أن يخضع للفحص الفني والتحقيق المستقل، بما يسمح بتحديد المسؤوليات بعيداً عن تبادل الاتهامات.
وفي ظل استمرار الحرب واتساع استخدام المسيّرات، لا تقتصر تداعيات استهداف الكهرباء على تعطيل الخدمات أو إرباك الإمداد، بل تمتد مباشرة إلى حياة المدنيين واحتياجاتهم اليومية، ما يجعل حماية منشآت الطاقة والمرافق المدنية أولوية إنسانية وقانونية.