كتبت / أميرة أحمد عمر
مر عام كامل والجرح لم يندمل ، عام على اليوم الذي سكتت فيه الفاشر بعد أن ظلت تتكلم لأكثر من 500 يوم تحت الحصار والقصف والجوع ، عام كامل،والفاشر ما زالت في القلب وما زالت في الحلق غصة وما زالت في العين دمعة لا تجف ، الفاشر لم تسقط لأنها كانت ضعيفة ولم تسقط لأن أهلها استسلموا ، بل سقطت لأن العالم كله اجتمع عليها هذا بالسلاح وهذا بالصمت وهذا بالخذلان وهذا بالخيانة من الداخل واليوم في الذكرى الأولى لا نكتب لنبكي فقط نكتب لنقول للعالم كله ، نحن لم ننسَ ولن ننسى ولن نسامح ابدا من ظلمنا .
أولاً/ إلى العالم أجمع – إلى الدول والأمم المتحدة
يا أيها العالم الذي يدعي الإنسانية أين كانت إنسانيتكم عندما كانت الفاشر تموت ؟ أين كانت بياناتكم عندما كان المستشفى السعودي يُقصف ؟ وأين كانت قراراتكم عندما كان أطفال زمزم وأبو شوك يموتون جوعاً ؟ وأين كانت مساعداتكم عندما وصل الناس بحسب شهادات المنظمات الإنسانية إلى مرحلة أكل أوراق الأشجار؟ أصدرتم القرار 2736 وقلتم أوقفوا حصار الفاشر ثم ذهبتم للنوم أصدرتم بيانات القلق وقلتم نحن قلقون ثم ذهبتم للاجتماعات يا عالم القلق لا يطعم جائعاً والبيان لا يوقف قذيفة والاجتماع لا ينقذ طفلاً أنتم لم تكونوا عاجزين بل كنتم متواطئين بالصمت ، كنتم تعرفون كل شيء وترون كل شيء بالأقمار الصناعية وتسمعون صراخ الأمهات ومع ذلك اخترتم أن تتفرجوا واليوم نسألكم هل تنامون مرتاحين؟ هل تستطيعون أن تنظروا في عيون أطفالكم وأنتم تعلمون أن أطفال الفاشر ماتوا وأنتم تتفرجون ؟ إن التاريخ لن يرحمكم كما لم ترحموا الفاشر .
ثانياً/ إلى الدول التي ساندت وساهمت في سقوط الفاشر
نعرفكم ونعرف من أرسل السلاح ومن أرسل المال ومن أرسل المسيّرات ومن فتح المطارات ومن غض الطرف، نقولها لكم بوضوح ، دم الفاشر في رقابكم أنتم لم تدعموا طرفاً في حرب أنتم دعمتم حصار مدينة كاملة وتجويع شعب كامل وقتل مستشفى كامل وحرق مخيم كامل ، التاريخ سيسجل أسماءكم والشعوب ستعرفكم والعدالة وإن تأخرت ستطالكم ، لن تغسل أموالكم دماء الفاشر ولن تغسل بياناتكم عار الفاشر .
ثالثاً / إلى المليشيات – إلى من قتل وحرق واغتصب إلى من دخل الفاشر على جثث أهلها ، نقول لكم ظننتم أنكم انتصرتم عندما رفعتم رايتكم على مقر الفرقة السادسة لكنكم لم تنتصروا أنتم فضحتم أنفسكم أمام العالم كله انتصاركم كان على أمهات عزل وعلى أطفال جوعى وعلى مرضى في المستشفى ، وعلى شيوخ في المساجد أي رجولة هذه ؟ وأي بطولة هذه وأي انتصار هذا الذي يُبنى على اغتصاب النساء وقتل الأطفال وحرق الخيام ؟ الفاشر ستبقى لعنة تطاردكم ، كل بيت حرقتموه سيحرق قلوبكم وكل طفل قتلتموه ، سيقتل نومكم وكل امرأة انتهكتموها ، ستلاحقكم دعواتها في الليل والنهار أنتم لم تسقطوا مدينة أنتم أسقطتم إنسانيتكم .
رابعاً/ إلى الخونة والخلايا النائمة – إلى من باع الفاشر بالإحداثيات وهنا الكلام الأوجع والأمرّ والأقسى ، إلى الذين كانوا بيننا يأكلون معنا ويشربون معنا ويصلون معنا ثم يرسلون الإحداثيات والمعلومات للمليشيات في الليل إلى الذين كانوا يدلون القصف على المستشفى وعلى السوق وعلى المسجد وعلى بيوت الجيران نقول لكم ، أنتم لم تخونوا الجيش أنتم خنتم أمهاتكم ولم تخونوا مدينة أنتم خنتم أرحامكم. بكم من المال بعتم الفاشر؟ وبكم من الدولارات بعتم دم جيرانكم ؟ هل تشبعتم؟ هل ارتحتم؟ هل تنامون الآن مرتاحين وأنتم تعلمون أن كل قذيفة سقطت كانت بمعلومة منكم؟ اسمعوها جيداً /الفاشر تعرفكم وأهل الفاشر يعرفونكم. والتاريخ يعرفكم وإن لم يحاسبكم القانون اليوم فدعوات الأمهات الثكلى ستحاسبكم في الدنيا قبل الآخرة ، لا مكان لكم بيننا ولا عفو لكم عندنا. ولا نسيان لما فعلتموه .
خامساً/ إلى أهلي في الفاشر – إلى من صبر وتحمل الحصار
إلى أهلي إلى أمي وأبي وإخواني وأخواتي في الفاشر إلى الذين تحملوا ما لا يتحمله بشر ، تحملتم أكثر من 500 يوم من الحصار أكثر من 500 يوم من الجوع أكثر من 500 يوم من القصف أكثر من 500 يوم من انقطاع الدواء والكهرباء والماء كنتم تأكلون القليل وتتقاسمون القليل وتصبرون على الكثير منكم من خرج مشياً على الأقدام ومنكم من نزح إلى طويلة وكبكابية وطوكر ومنكم من لجأ إلى تشاد وجنوب السودان ومصر وليبيا ، يحمل في يده طفله، وفي قلبه وطنه نقول لكم: أنتم الأبطال الحقيقيون أنتم الذين لم تسقطوا ، حتى عندما سقطت المدينة. رفعتم رأس دارفور، ورفعتم رأس السودان كله صبركم كان معجزة وثباتكم كان آية والله لن ننساكم والله، لن نترك قضيتكم أنتم لستم نازحين أنتم أصحاب الأرض وأنتم لستم لاجئين أنتم أصحاب الحق.
سادساً/ إلى أسر الشهداء – إلى أمهات الفاشر
إلى كل أم فقدت ابنها في الفاشر، وإلى كل أب فقد فلذة كبده، وإلى كل زوجة فقدت زوجها، وإلى كل طفل فقد أباه. نقول لكم: أبناؤكم لم يموتوا عبثاً. ماتوا وهم يدافعون عن أرضهم وعرضهم ومدينتهم. دمهم لم يذهب هدراً دمهم هو الذي كشف للعالم حقيقة ما حدث في الفاشر ودمهم هو الذي سيكون شاهداً يوم الحساب، نحن معكم، نبكي معكم، ونحمل معكم الأمانة . أسماء شهدائكم محفورة في قلوبنا، وصورهم محفورة في ذاكرتنا.
سابعاً/ إلى العالم – فكوا أسر المأسورين ، وفي الذكرى الأولى نرفع صوتنا عالياً، ونناشد الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وكل منظمات حقوق الإنسان وكل ضمير حي في العالم ، هناك مأسورون في سجون الدعم السريع ، لا يعلم أهلهم عنهم شيئاً ، هناك رجال ونساء وشباب أُخذوا من بيوتهم ومن المستشفيات ومن الطرقات ولا يعرف أحد مصيرهم نطالب بالكشف الفوري عن مصيرهم والسماح للصليب الأحمر بزيارتهم وفك أسرهم وإعادتهم إلى أهلهم. كما نطالب بتحقيق دولي مستقل وعاجل في كل التقارير والشهادات المتداولة بين أسر الأسرى عن سوء المعاملة، والانتهاكات الجسدية والتجارب الطبية، والاتجار بالأعضاء. إن كانت هذه التقارير صحيحة، فهي جرائم ضد الإنسانية. وإن كانت غير صحيحة فعلى العالم أن يثبت ذلك بالتحقيق والشفافية ، لا بالصمت لا تتركوا الأسر تموت كل يوم ألف مرة وهي لا تعرف هل ابنها حي أم ميت فكوا أسراهم أعيدوا أبناءنا هذا أبسط حق إنساني.
الخاتمة /الفاشر لن تموت
يا فاشر يا مدينة السلطان يا مدينة الصبر يا مدينة العز سقطت مبانيك لكن لم تسقط كرامتك وسقطت أسواقك لكن لم تسقط عزتك وسقطت فرقتك لكن لم يسقط شعبكنعدك اليوم في الذكرى الأولى ، أننا سنظل نكتب عنك وسنظل نصرخ باسمك وسنظل نطالب بحقك حتى يحاسب القاتل ويُفك الأسير ويعود النازح وتُبنى المدينة من جديد الفاشر لم تمت. الفاشر تنتظر العدالة .