برلين – السودان الآن

قال تقرير دولي إن الحرب في السودان تحولت إلى صراع إقليمي بالوكالة تغذيه شبكات تهريب الذهب والدعم العسكري الخارجي، محذراً من أن استمرار تدفق الأموال والأسلحة يهدد بتحويل الانقسام الحالي إلى تفكك دائم للدولة السودانية.

وأوضح التقرير الصادر عن مؤسسة “خدمات الاستخبارات الجيوسياسية” أن النزاع الذي بدأ في أبريل 2023 كصراع على السلطة بين قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، تطور خلال أكثر من عامين إلى حرب استنزاف ذات أبعاد إقليمية ودولية.

وأشار التقرير إلى أن قوات الدعم السريع عززت سيطرتها على معظم دارفور بعد سقوط الفاشر، آخر معاقل الجيش السوداني في الإقليم، في أكتوبر 2025، وذلك بعد شهرين من إعلانها بشكل أحادي قيام “دولة موازية” في نيالا، عاصمة جنوب دارفور. وأضاف أن الدعم السريع اتجه لاحقاً نحو إقليم كردفان بهدف تهديد المداخل الغربية للعاصمة الخرطوم الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني.

وأضاف التقرير الذي اطلعت عليه(السودان الآن ) أن الدعم الخارجي وتدفقات الذهب غير المشروعة سمحت للطرفين بمواصلة الحرب رغم المبادرات السياسية، موضحاً أن الذهب أصبح “عملة مقابل السلاح”، ويمثل أكثر من 70% من الإيرادات الوطنية في السودان.

وذكر التقرير أن الإمارات تُعد الوجهة الرئيسية لنحو 70% من الذهب السوداني المهرب من مناطق سيطرة الجيش والدعم السريع، حيث يعاد صهره في دبي ودمجه في الأسواق العالمية، بما يسمح بتحويله إلى مصدر تمويل لشراء الوقود والأسلحة والطائرات المسيّرة.

وأكد التقرير أن قوات الدعم السريع تسيطر على عمليات تعدين الذهب الرئيسية في دارفور وكردفان، وتستخدم استخراج الذهب كمصدر أساسي لتمويل أنشطتها.

وأوضح التقرير أن الذهب السوداني، بعد نقله إلى دبي وإعادة صهره، يتحول إلى أصل قابل للتداول داخل الأسواق العالمية، وهو ما يوفر لكل من قوات الدعم السريع والجيش السوداني السيولة اللازمة لشراء الوقود والأسلحة والذخائر والتقنيات المتقدمة مثل الطائرات المسيّرة.

وأشار التقرير إلى أن قدرة قوات الدعم السريع على الصمود أمام الضغوط الدولية تستند إلى “شبكة عابرة للحدود من التواطؤ”، تعتمد على دول إقليمية متعاونة لتجاوز شبكات الرقابة الجوية التقليدية وأدوات الضغط الدبلوماسي.

كما تحدث عن ما وصفه بـ“شبكة الدعم اللوجستي” التابعة للدعم السريع، والتي تعتمد على مسارات إقليمية عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان وأوغندا وكينيا لنقل الذهب والمعدات العسكرية.

وذكر التقرير أن مدينة إنجمينا التشادية تراجع دورها خلال عام 2025 كقاعدة خلفية رئيسية لقوات الدعم السريع، نتيجة المعارضة الداخلية وتهديدات الجيش السوداني باستهداف الأراضي التشادية، إلا أن مسارات التهريب ما تزال نشطة.

وأضاف أن “مسار الكفرة” عبر المناطق الخاضعة لسيطرة قوات خليفة حفتر في ليبيا ملأ الفراغ الذي خلفه تراجع الدور التشادي، وأصبح ممراً برياً مهماً لنقل الوقود والمعدات إلى قوات الدعم السريع.

وأشار التقرير إلى أن جنوب السودان يمثل “العقدة المركزية” في اقتصاد الذهب التابع لقوات الدعم السريع، حيث يُنقل الذهب من مناجم سونغو إلى واو، ثم جواً إلى جوبا عبر خطوط تجارية، قبل نقله بطائرات خاصة إلى الإمارات.

وذكر التقرير أن العاصمة الكينية نيروبي استضافت اجتماعات الحكومة الموازية التابعة لقوات الدعم السريع، مضيفاً أن هذه العلاقة دفعت مجلس الشيوخ الأمريكي إلى التحقيق بشأن وضع كينيا كـ“حليف رئيسي من خارج الناتو”.

وأشار التقرير إلى أن إسقاط طائرة بوينغ 737 مسجلة في كينيا بمدينة نيالا في مايو 2025 اعتُبر دليلاً تقنياً على هذا المسار، حيث كشفت التحقيقات أن الطائرة كانت تُدار من مدينة عنتيبي الأوغندية التي يقيم فيها مالكها وطاقمها.

وأوضح التقرير أن مجموعة “أفريقيا كوربس” الروسية، الخاضعة لوزارة الدفاع الروسية والتي خلفت مجموعة فاغنر، زودت قوات الدعم السريع في البداية بصواريخ دفاع جوي محمولة وذخائر عبر ليبيا وأفريقيا الوسطى، قبل أن تتدهور العلاقة بين الجانبين بعد مقتل قائد فاغنر.

وذكر التقرير أن التوغلات العابرة للحدود التي نفذتها قوات مرتبطة بروسيا من أفريقيا الوسطى إلى دارفور ساهمت في تعقيد العلاقة، ما دفع قوات الدعم السريع للاعتماد بصورة أكبر على “شبكة الطيران الممولة إماراتياً”.

وأشار التقرير إلى أن قوات الدعم السريع أنشأت عشرات المدارج الترابية قرب مواقع التعدين لتفادي ضربات الطائرات المسيّرة التابعة للجيش السوداني، والسماح للطائرات الخفيفة بتجاوز سلطة الطيران المدني التي يسيطر عليها الجيش.

ورغم النفي الإماراتي الرسمي، قال التقرير إن الإمارات ما تزال تُعتبر “الداعم الأهم” لقوات الدعم السريع، مدفوعة بمصالح تتعلق بالهيمنة على البحر الأحمر والأمن الغذائي والسيطرة على سوق الذهب.

وأضاف التقرير أن أدلة جمعتها عدة منظمات دولية، بينها الأمم المتحدة، تشير إلى استخدام أبوظبي غطاءً إنسانياً – يشمل مطارات ومستشفيات في تشاد – لتسهيل رحلات شحن تنقل طائرات مسيّرة ومعدات عسكرية إلى قوات الدعم السريع.

وفي المقابل، أوضح التقرير أن الجيش السوداني يعتمد على تحالفات مع مصر وتركيا وإيران وروسيا، مشيراً إلى أن الدعم التقني والعسكري، خاصة الطائرات المسيّرة، ساعد الجيش على استعادة أجزاء من الخرطوم خلال عام 2025.

ورجح التقرير استمرار حالة الجمود العسكري والانقسام الفعلي للسودان، مع تصاعد مخاطر امتداد الحرب إلى القرن الأفريقي ومنطقة الساحل، في ظل استمرار شبكات تهريب الذهب والسلاح والدعم الخارجي للطرفين.

ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حرباً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أدت إلى مقتل الآلاف ونزوح الملايين وتفاقم الأزمة الإنسانية، وسط اتهامات متبادلة بتلقي دعم خارجي واستخدام الذهب والموارد الطبيعية لتمويل العمليات العسكرية.