على الجدار…كتب / نصر يعقوب ادم (كوكر)
في زحام الحرب السودانية المنسية، تسقط أسماء من قوائم الضحايا لأن أصحابها لم يحملوا سلاحًا. تظل شريحة الصحفيين والإعلاميين بولاية شمال دارفور هي القضية الأكثر أهمية والأشد إهمالًا. هم الذين صمدوا لأكثر من عامين تحت القصف والحصار والتجويع الممنهج، ينقلون الحقيقة من قلب النار حين فرّ الجميع، وحين أصبح مجرد حمل الهاتف جريمة تستوجب الاعتقال.
▪️بين الزنازين والمنافي: ثمن الكلمة
انقسم مصير من تبقى منهم إلى مصيرين لا ثالث لهما: فريق يقبع في معتقلات وزنازين مجهولة، انقطعت أخباره تمامًا منذ سقوط مدينة الفاشر، ولا تعرف أسرهم إن كانوا أحياءً أم أمواتًا. وفريق آخر تشتت بين معسكرات النزوح داخل مدن السودان، ودول اللجوء في تشاد وليبيا، يبحثون عن ملاذ آمن يقيهم شبح الملاحقة والتصفية.
هؤلاء كانوا صوت الولاية الصادح، وذاكرتها التي توثق. نقلوا معاناة النازحين، ووثقوا بالصورة والصوت انتهاكات قوات الدعم السريع، وأبقوا اسم “الفاشر” حاضرًا في نشرات الأخبار والضمير العالمي. وعندما سعت المليشيا لإسكات المدينة عبر تجنيد أصوات مأجورة لإنكار جرائمها — من القتل الممنهج للأبرياء والأطفال، إلى سياسة التجويع كسلاح بغرض إبادة مواطني الفاشر — كان الصحفيون هم خط الدفاع الأول، درعهم الكلمة وعدستهم الكاميرا.
▪️جزاء الصمود: النسيان المُتعمَّد
اليوم، وبعد أن تغيرت خرائط السيطرة، كان جزاء الصحفيين هو التجاهل المُطبق والمتعمد. لا نقابة مركزية تسأل عن منسوبيها، ولا منظمات دولية تتبنى قضية المعتقلين منهم، ولا جهة رسمية تعترف بتضحياتهم أو توفر الحماية للناجين. أُسقطوا من كل الحسابات السياسية والإنسانية.
فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت أدوارهم مجرد “مهمة تكتيكية” انتهت بانتهاء المعارك إعلاميًا، فتم الاستغناء عنهم كمناديل ورقية؟ هل يُكافأ من واجه الموت لنقل الحقيقة بالصمت؟
إن الصحفي الذي اختار كاميرته بدلًا من البندقية، وقلمه بدلًا من المدفع، وقرر أن يكون شاهدًا لا مقاتلًا، يستحق أكثر من هذا النكران. إن تجاهلهم اليوم هو خيانة ثلاثية: خيانة لشرف المهنة، وخيانة لذاكرة التاريخ، وخيانة لدماء الزملاء الذين فقدوا حياتهم وهم يؤدون واجبهم المقدس.
▪️رسالة مفتوحة في بريد وزير الإعلام والحكومة..
لا يمكن للدولة التي تبحث عن شرعيتها أن تتخلى عن شريحة هي ضميرها الحي. الصحفي والإعلامي ليس موظفًا عاديًا، بل هو خط الدفاع الأول عن الوطن، وعن الحقيقة، وعن الرواية الوطنية في وجه التضليل.
▪️إن المعالجة العاجلة لأوضاعهم ليست منّة، بل واجب.
▪️يجب إعادة الاعتبار المهني لهم، فهم من حفظوا ذاكرة الحرب من الضياع.
▪️إنقاذ ما تبقى من صوت الحقيقة في دارفور هو إنقاذ لجزء من الوطن. والتاريخ لن يرحم من صمت.
#الرحمة_والمغفرة_لشهداء
#اللة_يبردي

