الفاشر – السودان الآن | تحقيق ميداني | أميرة أحمد عمر
في بوابة إحدى المؤسسات الخدمية المغلقة في مدينة الفاشر بإقليم دارفور، لا يبدو الحصول على الوثائق مرتبطاً فقط بعودة المؤسسة إلى العمل، إذ تكشف شهادات حصلت عليها «السودان الآن» عن حالات قالت فيها أسر نازحة إنها اضطرت إلى دفع مبالغ مالية للحصول على خدمات رسمية، في ظل تعطل بعض الأنظمة وصعوبة الوصول إلى المؤسسات الحكومية.
وفي مدينة بورتسودان، رصد التحقيق شهادات تتحدث عن مسار آخر للخدمة؛ فبدلاً من انتظار الدور وفق الإجراءات الرسمية، قالت مصادر تحدثت إليها «السودان الآن» إن وسطاء يعرضون الحصول على الوثائق خلال أيام مقابل مبالغ تفوق الرسوم الرسمية.
وخلال ثلاثة أسابيع من المتابعة الميدانية بين مركزي نزوح، جمع التحقيق إفادات من مواطنين ومصادر قانونية ومطلعين داخل جهات خدمية، تحدثوا عن انتشار مدفوعات غير رسمية مرتبطة ببعض الخدمات، في وقت أدت فيه الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 إلى تعطيل مؤسسات حكومية ونزوح أعداد كبيرة من السكان والعاملين.
ولا تبدأ مشكلة الرشوة في السودان مع الحرب وحدها. فقد ظلت مؤشرات الفساد وضعف المساءلة تمثل تحدياً مؤسسياً قبل اندلاع القتال، فيما أظهرت بيانات منظمة الشفافية الدولية الحديثة استمرار السودان ضمن الدول ذات المستويات المرتفعة من الفساد المدرك في القطاع العام. وتعرض المنظمة السودان حالياً بدرجة 14 من 100 في مؤشر مدركات الفساد، مع الإشارة إلى أن المؤشر يقيس تصورات الخبراء ورجال الأعمال للفساد في القطاع العام ولا يمثل إحصاءً مباشراً لكل حالات الرشوة.
وتقول مصادر دولية إن ضعف المؤسسات والرقابة يمكن أن يزيد فرص الفساد، بينما تجعل الحرب والنزوح الوصول إلى الخدمات الرسمية أكثر صعوبة، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي فقدت وثائقها أو اضطرت إلى الانتقال بعيداً عن مناطق إقامتها الأصلية.
«وثيقة ميلاد بـ20 ألف جنيه»
بحسب إفادة حصل عليها تحقيق «السودان الآن» من (س، ع)، البالغة 34 عاماً والنازحة من معسكر (ز)، فإن طفلها البالغ ثمانية أشهر لا يحمل أوراقاً ثبوتية.
وقالت إنها ذهبت إلى إحدى الجهات المعنية باستخراج الوثائق في المنطقة، فأُبلغت بأن «النظام متوقف عن العمل». وأضافت أن الشخص نفسه قابلها خارج المبنى وأبلغها بإمكانية استخراج الوثيقة من مدينة أخرى خلال أسبوع مقابل 100 ألف جنيه.
ولا تبدو حالة (س، ع) معزولة، وفق الشهادات التي جمعها التحقيق. فقد قالت سبع أمهات من أصل عشر تحدث إليهن التحقيق في مركزي إيواء إنهن دفعن مبالغ تراوحت بين 80 و100 ألف جنيه لاستخراج إفادات ميلاد مؤقتة.
وتتعارض هذه المدفوعات، بحسب الإطار القانوني الذي توثقه اليونيسف، مع الأصل في تسجيل المواليد؛ إذ تشير بيانات المنظمة إلى أن تسجيل الميلاد في السودان إجراء قانوني، وأن تسجيل الولادة وشهادة الميلاد خلال السنة الأولى من المفترض ألا يترتب عليهما رسم. كما تبيّن أن شهادة الميلاد ترتبط بإثبات الهوية والجنسية والتعليم والرعاية الصحية والحماية القانونية.
وتستند هذه البيانات إلى الإطار القانوني والإداري الذي جمعته اليونيسف في الفترة بين 2016 و2017، لذلك لا يمكن اعتبارها وحدها وصفاً لحالة التنفيذ الحالية في كل مناطق السودان.
وتزداد أهمية الوثائق في مناطق النزوح، حيث قالت اليونيسف في ديسمبر 2024 إن ملايين الأسر السودانية فرّت من منازلها وتركت وراءها وثائقها، وإن غياب شهادة الميلاد يمكن أن يعيق الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الغذائية والدعم الطارئ.
كما أطلقت اليونيسف وشركاؤها في ولاية البحر الأحمر حملة لتقريب خدمات تسجيل المواليد من الأسر النازحة، في محاولة لتجاوز العقبات التي فرضتها الحرب وطول وتعقيد الإجراءات التقليدية.
وقال مصدر قانوني من مجموعة حقوقية محلية، تحدث إلى «السودان الآن» تحت اسم مستعار (ن، س)، إن النصوص القانونية المنظمة للخدمة موجودة، لكن انهيار الرقابة والظروف الاقتصادية التي يعيشها الموظفون والمواطنون يمكن أن يحولا الخدمة العامة إلى مجال للابتزاز.
وقال المصدر إن «الحرب خلقت موظفاً جائعاً ومواطناً محتاجاً»، مضيفاً أن الرشوة تصبح في هذه الظروف وسيطاً بين المواطن والخدمة.
وثيقة السفر.. من 170 ألفاً إلى 300 ألف جنيه
في المدينة الساحلية (ع)، قال (م، ح)، وهو طالب تحدث إلى تحقيق «السودان الآن»، إنه كان يستعد للسفر للدراسة، وإن الرسوم الرسمية المعلنة للوثيقة التي يحتاج إليها تبلغ 170 ألف جنيه.
وأضاف أن وسيطاً داخل مجمع للخدمات عرض عليه استخراج الوثيقة مقابل 300 ألف جنيه، مع وعد بتسليمها خلال ثلاثة أيام، بدلاً من الانتظار عدة أشهر، وفق روايته.
وقال الطالب إن ظروف سفره دفعته إلى قبول العرض. وتختلف هذه الحالة عن شهادات الأمهات في دارفور من حيث طبيعة الخدمة؛ ففي حالة شهادات الميلاد تحدثت الأسر عن توقف النظام الرسمي، بينما تتحدث حالة وثيقة السفر عن وجود خدمة رسمية ورسوم معلنة، إلى جانب عرض لمسار أسرع عبر وسيط مقابل مبلغ إضافي.
وقال مصدر مطلع داخل إحدى الجهات الخدمية، تحدث إلى التحقيق شريطة عدم كشف اسمه أو صفته، إن هناك، بحسب معلوماته، سماسرة مرتبطين بأشخاص نافذين، وإن للخدمة السريعة سعراً مختلفاً.
ولم يتمكن تحقيق «السودان الآن» من التحقق بصورة مستقلة من وجود شبكة منظمة بالهيكل، كما لم يحصل على سجلات أو مستندات مالية تثبت تورط موظفين محددين في تلقي الرشاوى.
الرشوة ليست جديدة.. لكن الحرب وسعت مساحة الخلل
تكشف الأدلة المتاحة عن أن الفساد في الخدمات العامة ليس ظاهرة نشأت مع الحرب الحالية. وتظهر بيانات منظمة الشفافية الدولية أن السودان يعاني منذ سنوات من ضعف مؤشرات مكافحة الفساد والمساءلة، بينما يصف تقرير للمنظمة عن السودان ضعف المؤسسات والرقابة باعتباره جزءاً من بيئة أوسع للفساد.
لكن الحرب أضافت عوامل جديدة : نزوح الموظفين والمواطنين، تدمير أو إغلاق المؤسسات، صعوبة التنقل، انقطاع الأنظمة الإلكترونية، وفقدان الوثائق.
وفي مجال تسجيل المواليد تحديداً، كانت هناك مشكلات في الوصول إلى الخدمة حتى قبل الحرب. ففي مقابلة نشرتها اليونيسف عام 2021 مع مسؤول في مجلس رعاية الطفولة بجنوب كردفان، أُشير إلى قلة مراكز التسجيل وصعوبة الوصول إليها، وإلى أن بعض الأسر كانت تضطر للسفر لمسافات طويلة للحصول على الوثائق. كما ربط المسؤول آنذاك بين الفقر والنزاع وضعف البنية التحتية وصعوبة تسجيل بعض الأطفال.
وبذلك، لا يبدو أن الحرب أنشأت مشكلة الرشوة من الصفر، لكنها أوجدت بيئة أكثر هشاشة يمكن أن تجعل المواطن أكثر اعتماداً على الوسطاء، خصوصاً عندما تكون الخدمة مرتبطة بوثيقة لا يستطيع الاستغناء عنها.
«أين ذهب الدعم المالي؟»
أفاد تقرير محلي معني بالشفافية، بحسب المعلومات التي حصل عليها التحقيق، بأن قيمة الرشاوى المرتبطة بخدمات الأوراق الثبوتية خلال عام 2024 تجاوزت مليوني دولار.
لكن «السودان الآن» لم تحصل على التقرير الأصلي الذي يستند إليه هذا الرقم، ولم تتمكن من مراجعة منهجيته أو حجم العينة أو مصادر البيانات. ولذلك لا يقدم التحقيق هذا الرقم باعتباره تقديراً مستقلاً مؤكداً، وإنما ينسبه إلى الجهة المحلية التي أوردته.
كما أثار التحقيق تساؤلات بشأن برامج دولية دعمت مجالات سيادة القانون والسجل المدني في السودان على مدى سنوات، وما إذا كانت هذه البرامج أسهمت فعلياً في تحسين وصول المواطنين إلى الخدمات والحد من فرص الفساد.
وتوجد بالفعل أمثلة موثقة على دعم دولي لخدمات تسجيل المواليد؛ ففي جنوب كردفان، قالت اليونيسف إن حملة تسجيل المواليد التي نُفذت بدعم من الاتحاد الأوروبي وحكومة هولندا ساعدت في الوصول إلى حالات تحتاج إلى تدخل قانوني وإداري. وفي البحر الأحمر، نفذت اليونيسف وشركاؤها حملات لتقريب خدمات التسجيل من النازحين والمجتمعات المضيفة.
لكن التحقيق لم يجد، ضمن المعلومات المتاحة له، أدلة تسمح بالقول إن التمويل الدولي المخصص لهذه البرامج ذهب إلى شبكات رشوة، أو أن تجميد تمويل بعينه في يناير 2025 أدى مباشرة إلى انهيار الخدمات بعد ثلاثة أشهر.
وهنا تبرز الحاجة إلى نشر بيانات المشاريع وعقودها وتقارير التدقيق المالي، حتى يمكن تحديد حجم التمويل، والجهات المنفذة، وما تحقق فعلياً على الأرض.
المواطن يدفع ثمن انهيار الخدمة
بالنسبة إلى المواطن، لا تتوقف تكلفة الرشوة عند المبلغ الذي يدفعه. فالطفل الذي لا يحصل على شهادة ميلاد قد يواجه صعوبات في إثبات هويته والوصول إلى بعض الخدمات. والطالب الذي يتعطل استخراج وثيقة سفره قد يخسر فرصة دراسية. والأسرة النازحة التي فقدت أوراقها قد تواجه عوائق إضافية عند محاولة الوصول إلى خدمات أو مساعدات تتطلب إثبات الهوية.
وتؤكد اليونيسف أن تسجيل الميلاد يمثل مدخلاً للهوية القانونية، وأن شهادة الميلاد تساعد في الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والحماية القانونية، كما تقلل مخاطر الاستغلال والاتجار والزواج المبكر وعمالة الأطفال والتجنيد المبكر.
وهكذا تتحول الرشوة من مخالفة مالية إلى مشكلة تمس حقوقاً أساسية، خصوصاً عندما يكون الشخص الذي يطلب الخدمة نازحاً أو فقيراً ولا يملك بديلاً عملياً عن المؤسسة الحكومية.
من الموظف إلى المنظومة
لا يستهدف هذا التحقيق إدانة موظف صغير بمفرده، خصوصاً في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية قاسية يعيشها ملايين السودانيين.
لكن الشهادات التي جمعتها «السودان الآن» تطرح سؤالاً أوسع حول قدرة مؤسسات الدولة على حماية خدماتها من التحول إلى سوق غير رسمي، وحول آليات الرقابة والمحاسبة عندما تصبح الخدمة الحكومية مرتبطة بوسيط أو بدفع غير قانوني.
وتشير منظمة الشفافية الدولية إلى أهمية المؤسسات الرقابية والمساءلة في مواجهة الفساد، بينما تُظهر حالة السودان استمرار التحديات المرتبطة بمكافحة الفساد وضعف المؤسسات.
ولهذا، فإن معالجة المشكلة لا تبدأ فقط بمعاقبة من يتلقى الرشوة، وإنما أيضاً بإغلاق المساحات التي تسمح بحدوثها: إعادة تشغيل الأنظمة، إعلان الرسوم والإجراءات بوضوح، تقليل التعاملات النقدية، تتبع الطلبات إلكترونياً، وتوفير آليات آمنة للإبلاغ والتحقيق.
توصيات التحقيق
للجهات الحكومية :
إعادة تشغيل خدمات السجل المدني والوثائق في مناطق النزوح، وتوفير وحدات متنقلة مجانية، وإعلان الرسوم والإجراءات الرسمية بصورة واضحة، وإنشاء قنوات آمنة ومستقلة للإبلاغ عن طلبات الرشوة.
للمنظمات الدولية والجهات المانحة :
نشر بيانات واضحة عن مشاريع دعم السجل المدني وسيادة القانون، وقيمة التمويل والجهات المنفذة ومؤشرات الإنجاز، وإجراء عمليات تدقيق مستقلة ونشر نتائجها.
للأسر والمواطنين :
الاحتفاظ، متى كان ذلك آمناً، بأي مستندات أو إيصالات أو معلومات تتعلق بطلبات دفع غير قانونية، وإيصالها إلى الجهات الرقابية أو الحقوقية الموثوقة.
للجهات الرقابية :
الانتقال من التعامل مع الرشوة باعتبارها مخالفات فردية متفرقة إلى فحص أنماطها، وتحديد الوسطاء ونقاط الضعف داخل المؤسسات التي تسمح بتكرارها.
فالرشوة لا تسرق المال فقط؛ إنها قد تسرق حق المواطن في الحصول على خدمة يفترض أن تقدمها الدولة وفق القانون.
وفي بلد أنهكته الحرب والنزوح، تصبح حماية هذه الخدمات جزءاً من حماية المواطن نفسه.
تنويه مهني للسلامة : جميع الأسماء والأماكن والمؤسسات الواردة في التحقيق الميداني رموز مستعارة حفاظاً على سلامة المصادر والأشخاص الذين جرى التواصل معهم. أما الأرقام والتقديرات المنسوبة إلى جهات محلية، فلم يعتمدها التحقيق كحقائق نهائية ما لم تتوافر الوثائق اللازمة للتحقق المستقل منها.