ملاحقة الحقيقة/ أميرة أحمد عمر
السودان اليوم لم يعد دولة واحدة في السوق، كما لم يعد دولة واحدة في السياسة. نحن نعيش انقساماً واضحاً، وبلداً مقسوماً إلى نصفين : نصف تسيطر عليه القوى الحاكمة في السودان، ونصف آخر في غرب السودان تسيطر عليه المليشيا، أو ما يسمون أنفسهم «دولة تأسيس».
وفي الوسط بين هذين النصفين، يقف التاجر الجشع كأكبر مستفيد من هذا الانقسام.
كيف يعمل الاحتكار في السودان المقسم ؟
في مناطق سيطرة القوى الحاكمة في الشمال والشرق والوسط، الاحتكار محمي بالسلطة. التجار المقربون من السلطة هم فقط من يملكون الصلاحية وتصاريح الاستيراد والوقود والنقد الأجنبي.
يرفعون سعر السكر والدقيق والزيت بحجة «سعر الدولار»، بينما هم أنفسهم، وفق هذا الطرح، من يحددون سعر الدولار في السوق السوداء.
أما في مناطق غرب السودان التي تسيطر عليها «دولة تأسيس»، فالاحتكار محمي بالسلاح. لا بضاعة تدخل إلا عبر تجارهم، ولا سوق يعمل إلا بإذنهم، ويفرضون رسوماً على عبور كل شاحنة وضرائب على كل جوال.
والنتيجة يدفعها المواطن الجائع في نيالا والجنينة والفاشر. فالنتيجة واحدة، والمواطن هو الضحية.
التاجر في بورتسودان يقول: «البضاعة ما بتصل دارفور بسبب الحرب»، والتاجر في نيالا يقول: «البضاعة ما بتصل لأن الشمالية مقفولة».
والحقيقة، وفق هذا الطرح، أن البضاعة تصل، لكنها تمر عبر شبكة احترافية واحتكار متفق عليه بين تجار الحرب في الجانبين.
خلاصة
إلى الدولة بنصفيها، وإلى التجار بنوعيهم، نقولها بكل وضوح : أنتم لا تتاجرون في السكر والدقيق، بل أنتم تتاجرون في دم الناس ومدى صبرهم.
الدولة التي تعجز عن إطعام شعبها وتترك بطونهم رهينة للتجار هي دولة فقدت شرعيتها، سواء كانت دولة القوى الحاكمة في الشرق أو دولة «تأسيس» في الغرب.
شرعية الحكم لا تأتي من البندقية ولا من البيانات، بل من كسرة خبز تصل إلى المواطن بكرامة.
والتاجر الذي يبني قصره من جوع الأطفال، ويخزن الغذاء حتى يتعفن بينما تموت الأمهات وهن يبحثن عن لقمة، يجب أن يعلم أن هذا المال حرام، وأن التاريخ لا يرحم.
الحرب ستنتهي والانقسام سيزول، لكن الناس لن تنسى أبداً من ذبحهم بالسعر ومن أطعمهم وقت الجوع.
إن لم تتدخل الدولة اليوم لتكسر يد المحتكر، فغداً سيكسر الجائع كل شيء، حتى الدولة نفسها.