محمد عثمان جبريل

نعم، كأبناء دارفور نحن ضحايا لممارسات خاطئة تراكمت عبر السنين، وتعرضنا لقتل ونهب وتشريد ممنهج، ووثقنا ذلك كما وثّقه المجرمون أنفسهم بأفعالهم وتصريحاتهم وسلوكهم. هذه الحقيقة ليست وجهة نظر، بل سجلٌّ من الدم والصور والذكريات التي لا تُمحى.

ونحن نعلم جيدًا أن الهدف من تلك الممارسات لم يكن مجرد اعتداء عابر أو صراع لحظي، بل كان وما يزال يتمحور حول الاستحواذ على الأرض أولًا، ودفع أهلها للابتعاد عنها، وصناعة تاريخ جديد مزيف لا علاقة له بجذور المنطقة ولا بأصحابها الأصليين، مع محاولات واضحة لجلب مستوطنين جدد وإحداث تبديل ديمغرافي يقلب هوية دارفور وماضيها ومستقبلها. هذه ليست أوهامًا بل وقائع رأيناها تتحرك على الأرض.

لكن رغم كل ذلك، يجب ألا ننتظر منقذًا يأتي من الخارج، ولا من مجتمع دولي لا يرى إلا مصالحه، ولا حتى من بقية السودانيين الذين قد يتفهم بعضهم محنتنا وقد يغفل عنها آخرون. فالتغيير الحقيقي لا يأتي من مسافة بعيدة… بل يولد من داخل الوجع نفسه.

إن المجتمع الذي تعرّض للانتهاكات هو الأعرف بعمق الألم، والأدرى بحقيقة الظلم، والأقدر على فهم الطريق الذي يجب أن يسلكه. لذلك، فإن أبناء دارفور هم نواة التغيير، وهم الشرارة الأولى لأي نهضة أو إصلاح، لأنهم الطرف الذي تذوق القسوة وعرف معنى النجاة ومفهوم العدالة بملامسه الحقيقية.

وعليه، فإنني أدعو أبناء دارفور إلى أن يتوحدوا حول الوسيلة كما هم متوحدون حول الهدف. فالهدف واضح للجميع: الأرض، الكرامة، الأمان، والعدالة. أما الوسيلة — طريق التنظيم والوعي والتعاضد والعمل المشترك — فهي التي تحتاج إلى اتفاق ورؤية واستمرارية.

إن القوة الحقيقية لا تأتي من الغضب وحده، ولا من الذكريات المؤلمة، بل من تحويل ذلك الوجع إلى وعي، وتحويل الخوف إلى طاقة، وتحويل التشتت إلى قوة جماعية قادرة على حماية الأرض وصناعة المستقبل.

أبناء دارفور…
لقد دفعتم ثمنًا باهظًا، والآن حان وقت أن تصنعوا طريقكم بأيديكم، وأن تكونوا صوتكم ودفاعكم وأملَكم.