كتب/ عبد الهادي عبدالله

هل توجد أزمة وقود في الخرطوم أم لا ؟ قد يبدو السؤال بسيطاً، لكن الإجابة عليه أصبحت أكثر تعقيداً من مجرد تصريح حكومي أو طابور أمام محطة وقود. فبينما خرج رئيس الوزراء كامل إدريس، عقب جولة على عدد من محطات الوقود في ولاية الخرطوم، ليطمئن إلى توفر المشتقات وانسيابها، تقول المشاهد اليومية في أجزاء من العاصمة شيئاً يحتاج إلى تفسير.

أمس الاربعاء 30 سبتمبر، تفقد كامل إدريس، برفقة وزير الطاقة والنفط ووالي الخرطوم، عدداً من محطات الوقود بالعاصمة بعد عودة الطوابير أمام بعض المحطات. وأفادت تقارير محلية بأن الجولة جاءت للوقوف على موقف الإمدادات ومعالجة الاختناقات المحتملة.

لكن المشكلة ليست في أن رئيس الوزراء زار محطة وقود، فهذا أمر طبيعي ومطلوب من المسؤول التنفيذي أن يرى الواقع بنفسه. المشكلة تبدأ عندما يصبح ما يراه المسؤول في محطة واحدة هو الصورة الكاملة لولاية واسعة جزء منها يمتد من الشجرة إلى الحاج يوسف، ومن الجريف إلى الكلاكلة وسوقها المركزي.

أمس الاربعاء صباحاً، قمت بجولة طويلة بدأت من الشجرة، مروراً بالجريف والسوق المركزي وصولاً إلى سوق الكلاكلة اللفة، ثم عدت إلى الشجرة. لم تكن الجولة مهمة صحفية، ولذلك لم أستطلع آراء أصحاب المركبات أو العاملين في المحطات، ولا أستطيع بناء حكم مهني شامل على ما رأيته وحده.

لكن ما رأيته كان لافتاً. كانت هناك محطات في شرق النيل أمامها طوابير واضحة، فيما بدت محطات أخرى وكأن الوقود غير متوفر فيها أصلاً. وتكرر مشهد الازدحام أو غياب الوقود بدرجات مختلفة في عدد من المحطات التي مررت بها.

هذه ليست نتيجة مسح ميداني، ولا تصلح وحدها لإثبات وجود نقص عام في الوقود. لكنها أيضاً ليست مشهداً ينبغي تجاهله، خصوصاً عندما تتكرر الطوابير في أكثر من موقع وفي الوقت نفسه الذي تتحدث فيه تقارير محلية عن عودة أزمة الوقود إلى العاصمة.

وهنا يأتي السؤال الذي يستحق إجابة واضحة : إذا لم تكن هناك أزمة، فما تفسير هذه الطوابير ؟ وإذا كانت المشكلة مجرد اختناقات مؤقتة في بعض المحطات، فما سببها ؟ وهل يتعلق الأمر بتأخر التوزيع، أو المدفوعات المصرفية، أو الاستيراد، أو النقل، أو التسعير، أم بمزيج من هذه العوامل ؟

وزارة الطاقة والنفط قالت في 16 سبتمبر إن الوقود متوفر وإن الإمداد يسير بصورة طبيعية، وأرجعت الازدحام الذي شهدته بعض المحطات إلى عوامل من بينها التذبذب والبطء في بعض التطبيقات المصرفية، الأمر الذي أدى إلى إبطاء عمليات الشراء وتراكم المركبات أمام المحطات.

لكن قبل ذلك بأيام، كانت تقارير صحفية قد تحدثت عن أزمة جديدة للوقود في الخرطوم وعدد من الولايات، مع شح في البنزين والجازولين وإغلاق بعض المحطات.

واليوم، في نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر، عادت مشاهد الطوابير إلى الواجهة، ما يعني أن تفسير المشكلة باعتبارها مجرد خلل عابر في التطبيقات المصرفية لا يكفي وحده للإجابة عن كل الأسئلة.

ثم هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله : كلفة النقل. سعر الرحلة بالحافلات الكبيرة من الشجرة إلى السوق العربي، على سبيل المثال، كان في الفترات الماضية نحو ألف جنيه، بينما أصبح ألفي جنيه بحسب ما لاحظته في تعاملات أمس. والزيادة، بحسب ما يتردد بين الركاب والسائقين، طالت خطوطاً أخرى داخل الولاية.

هنا أيضاً يجب الحذر. ارتفاع تعرفة النقل لا يثبت وحده أن سعر الوقود ارتفع، فقد تتدخل عوامل أخرى، من بينها تكاليف التشغيل وقطع الغيار وسعر الصرف والرسوم وهوامش الربح. لكن عندما يقول سائقو الحافلات للركاب إن ارتفاع الوقود أو صعوبة الحصول عليه أحد أسباب زيادة التعرفة، يصبح من حق المواطن أن يسأل : ما السعر الرسمي للوقود ؟ وهل تغير ؟ وهل تغيرت تكلفة الحصول عليه أو نقله وتوزيعه ؟

وفي يونيو الماضي، تحدث وزير الطاقة والنفط المعتصم إبراهيم إلى ”الجزيرة نت“ عن تأثيرات مضيق هرمز على استيراد المشتقات النفطية، وقال إن فتح المضيق يزيل أحد العوامل الخارجية التي تؤثر في أسعار المحروقات وتذبذبها، وإن انسياب المحروقات عبر مسارات الاستيراد سيكون أفضل.

هذا التصريح مهم، لكنه لا يكفي وحده للقول إن أزمة الوقود الحالية سببها مضيق هرمز. فالتصريح كان يتحدث عن تأثيرات خارجية على الاستيراد، بينما تحتاج الأزمة الحالية إلى تفكيك كامل لسلسلة الإمداد : من أين يأتي الوقود ؟ كيف يدخل البلاد ؟ أين يتخزن ؟ كيف يوزع ؟ وما الكميات التي تصل فعلياً إلى محطات الخدمة ؟

الحكومة نفسها كانت قد اضطرت في يونيو إلى اتخاذ إجراءات لاستيراد المشتقات النفطية في ظل أزمة وقود حادة، مع استمرار تداعيات خروج مصفاة الجيلي عن الخدمة واعتماد البلاد بدرجة أكبر على الاستيراد.

لذلك، ربما لا تكون المسألة ببساطة : ”هناك أزمة“ أو ”لا توجد أزمة“.

قد يكون الوقود موجوداً في المخازن، لكنه لا يصل بالسرعة نفسها إلى كل المحطات. وقد يكون متوفراً في بعض المحطات وشحيحاً في أخرى. وقد تكون المشكلة في التوزيع لا في الاستيراد، أو في السيولة والتمويل، أو في النقل، أو في التسعير، أو في أكثر من حلقة في السلسلة في الوقت نفسه.

وهنا تحديداً تصبح مهمة الحكومة أن تشرح، لا أن تطمئن فقط. فالمواطن لا يحتاج إلى خطاب يشبه ”أركان النقاش“ في الجامعة، يتبارى فيه طرفان حول من يملك الرواية الأقوى. المواطن يحتاج إلى أرقام ومعلومات : كم تبلغ مخزونات الوقود ؟ كم شحنة دخلت البلاد خلال الأيام الأخيرة ؟ كم محطة تلقت إمدادات ؟ كم يبلغ الاستهلاك اليومي ؟ وما الكمية المتاحة فعلياً ؟ وما سبب وجود محطات تعمل وأخرى لا تعمل ؟

إذا كانت الحكومة تقول إن الوقود متوفر، فليكن ذلك مدعوماً بالأرقام. وإذا كانت هناك اختناقات مؤقتة، فلتشرح أين تقع ولماذا.

وإذا كانت هناك أزمة إمداد، فلا عيب في الاعتراف بها وشرح أسبابها، لأن الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى لمعالجتها.

أما أن يرى المواطن الطوابير أمام المحطات، ويدفع ضعف تعرفة النقل في بعض الخطوط، ثم يسمع في المقابل أنه لا توجد أزمة، فالمشكلة هنا لا تعود مشكلة وقود فقط؛ بل تصبح أيضاً مشكلة ثقة بين المواطن والحكومة.

وربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن يجيب عنه المسؤولون الآن ليس : ”هل توجد أزمة ؟“، وإنما : لماذا يقف المواطن في الطابور إذا لم تكن هناك أزمة ؟ هذه الإجابة، بالأرقام لا بالشعارات، هي التي يمكن أن تحسم الجدل.