واشنطن – السودان الآن
تراجعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤقتاً، عن الدفع باتجاه فرض حظر شامل على توريد الأسلحة إلى السودان، بعدما اصطدمت خطتها بخلافات داخل مجلس الأمن الدولي، ولا سيما مع روسيا والصين وعدد من الأعضاء الأفارقة.
وبدلاً من توسيع نطاق الحظر ليشمل كامل الأراضي السودانية، يتجه مجلس الأمن إلى التصويت على تمديد قصير الأجل لنظام العقوبات المفروض بموجب القرار 1591، بما يبقي حظر الأسلحة محصوراً في إقليم دارفور.
ووفقاً للمعلومات التي أوردها موقع «ذا هيل»، فإن مشروع القرار المطروح للتمديد ينص على استمرار التدابير الحالية حتى 11 ديسمبر. ويأتي ذلك بعد تمديد سابق قصير الأجل أقره المجلس في سبتمبر، عندما حالت الخلافات بشأن المقترح الأمريكي دون التوصل إلى اتفاق على تعديل جوهري لنظام العقوبات.
وكانت الولايات المتحدة قد طرحت حينها توسيع حظر الأسلحة إلى كامل السودان، وإخضاع جميع الأطراف العاملة في البلاد له، إلى جانب تشديد القيود المتعلقة بالطائرات المسيّرة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج.
وأكد نائب المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، عمار محمد محمود، إجراء التصويت، قائلاً إن الخرطوم ترحب بـ«التمديد الفني» للتدابير المنصوص عليها في القرار 1591 لمدة 60 يوماً، من دون توسيع نطاقها الجغرافي.
وأضاف أن السودان يؤكد باستمرار أن الأولوية ينبغي أن تكون «لتطبيق نظام العقوبات القائم وإنفاذه، وليس توسيع نطاق هذه العقوبات».
لماذا تريد واشنطن توسيع حظر الأسلحة؟
المقترح الأمريكي جاء في سياق تغير طبيعة الحرب السودانية واتساع نطاقها من دارفور إلى كردفان والنيل الأزرق ومناطق أخرى، فضلاً عن تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى.
وتقول واشنطن إن نظام العقوبات الحالي أصبح غير كافٍ لأنه صُمم قبل أكثر من عقدين للتعامل مع نزاع دارفور، بينما تدور الحرب الحالية في معظم أنحاء السودان.
وفي جلسة مجلس الأمن في سبتمبر، قال نائب المندوب الأمريكي إن النظام القائم «قديم» ولا يتناسب مع واقع الحرب الراهنة، داعياً إلى توسيع الحظر ليشمل كامل السودان، وتشديد معايير إدراج الأفراد في قوائم العقوبات لتشمل العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والاختطاف مقابل الفدية، والهجمات على العاملين في المجال الإنساني.
كما ربطت واشنطن موقفها بتدفق الأسلحة والمقاتلين والدعم العسكري الخارجي إلى طرفي الحرب، وبالهجمات على المدنيين والمنشآت الإنسانية. وأشارت خلال جلسة سبتمبر إلى هجوم جوي أدى إلى تدمير أكثر من 50 طناً من المساعدات التابعة لبرنامج الأغذية العالمي في جنوب كردفان.
وكان المقترح الأمريكي، بحسب تقرير مجلس الأمن، يتضمن أيضاً تأكيد خضوع الطائرات المسيّرة وأنظمتها ومكوناتها ذات الاستخدام المزدوج والتقنيات المرتبطة بها لنطاق حظر الأسلحة.
كيف بدأ حظر الأسلحة على دارفور ؟
يرجع نظام حظر الأسلحة إلى عام 2004، في ذروة الحرب الأولى في دارفور. ففي 30 يوليو 2004، أصدر مجلس الأمن القرار 1556، الذي طالب الحكومة السودانية بنزع سلاح مليشيات الجنجويد ومحاسبة قادتها، وفرض حظراً على توريد الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الجماعات والأفراد غير الحكوميين العاملين في ولايات شمال وجنوب وغرب دارفور.
وجاء القرار على خلفية النزاع الذي اندلع في دارفور عام 2003، وما صاحبه من قتل واسع للمدنيين وانتهاكات للقانون الدولي الإنساني وعمليات نزوح جماعي. وكان مجلس الأمن قد اعتبر الوضع في دارفور تهديداً للسلم والأمن الدوليين والاستقرار الإقليمي.
وفي 29 مارس 2005، جاء القرار 1591 ليعزز نظام العقوبات ويوسع حظر الأسلحة ليشمل أطراف اتفاق وقف إطلاق النار في نجامينا وأي أطراف أخرى متحاربة في ولايات دارفور الثلاث، كما أنشأ لجنة للعقوبات وفريقاً من الخبراء لمراقبة تنفيذها.
وظل جوهر النظام منذ ذلك الوقت مرتبطاً بدارفور، رغم امتداد الحرب الحالية إلى مناطق واسعة من السودان. وتوضح الأمم المتحدة أن الحظر ما زال يطبق على الجهات العاملة في دارفور، مع وجود التزامات إضافية تتعلق بالتدقيق في أي مبيعات أو توريدات أسلحة إلى السودان لا يحظرها القرار صراحة.
ما أوجه الشبه بين حرب دارفور والحرب الحالية ؟
هناك تشابه واضح في أحد الأسباب التي يستند إليها أنصار توسيع الحظر : دور السلاح والدعم الخارجي في استمرار النزاع وتفاقم الانتهاكات ضد المدنيين.
في دارفور عام 2004، برر مجلس الأمن تحركه بتدهور الوضع الإنساني، والهجمات على المدنيين، وعدم قيام الحكومة بنزع سلاح المليشيات ووقف الاعتداءات.
أما في الحرب التي بدأت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فقد اتسعت رقعة القتال إلى مناطق عديدة، وظهرت شبكات إمداد عسكرية خارجية، وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة، بينما وثقت الأمم المتحدة انتهاكات من جانب أطراف النزاع.
ولهذا ترى الولايات المتحدة وبريطانيا ولاتفيا أن استمرار حصر نظام العقوبات في دارفور لا يعكس الواقع العسكري الحالي، وأن تدفق السلاح إلى أطراف الحرب أصبح قضية وطنية لا إقليمية. وقالت بريطانيا في سبتمبر إن نظام العقوبات يجب أن يعكس انتشار القتال في أنحاء السودان وأن يساعد في الحد من تدفق الأسلحة والدعم الذي يغذي الحرب.
لكن المقارنة لا تعني أن السياقين متطابقان؛ فحظر عام 2004 نشأ أساساً حول نزاع دارفور، بينما الحظر المقترح حالياً سيشمل دولة كاملة ويطال، من حيث المبدأ، القوات المسلحة السودانية والدعم السريع وأي أطراف مسلحة أخرى تعمل داخل البلاد.
لماذا تعارض روسيا والصين توسيع الحظر ؟
روسيا تتخذ الموقف الأكثر وضوحاً في رفض التوسيع. ففي جلسة سبتمبر، قالت نائبة المندوب الروسي إن موسكو وضعت منذ بداية المفاوضات «خطوطاً حمراء» تتمثل في عدم توسيع القيود المفروضة على السودان، معتبرة أن الحكومة السودانية وقواتها المسلحة تمثل مؤسسات الدولة ووحدة البلاد، وأنها تحتاج إلى الموارد اللازمة لذلك.
كما تساءلت موسكو عن سبب طرح التوسيع الآن، وليس في عام 2023 عندما كانت قوات الدعم السريع تحقق تقدماً وتهدد الخرطوم ومدناً أخرى.
أما الصين فتتخذ موقفاً أكثر دبلوماسية، لكنها تعارض أيضاً توسيع العقوبات بصورة تلقائية.
وتقول بكين إن الأولوية يجب أن تكون لتنفيذ نظام العقوبات الموجود، وإن توسيع الإجراءات القسرية بصورة اعتباطية قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني وربما زيادة مخاطر تفكك السودان وتهديد الاستقرار الإقليمي. كما تؤكد الصين أن العقوبات ليست بديلاً عن الدبلوماسية والحوار.
وماذا عن بقية أعضاء المجلس ؟
المواجهة ليست أمريكية-روسية فقط. فبحسب تقييمات مجلس الأمن، عارضت الصين وروسيا وباكستان وأعضاء المجموعة الأفريقية الثلاثية في المجلس، وهي جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا والصومال، توسيع النطاق الجغرافي للعقوبات خارج دارفور، وفضّل هؤلاء تمديد النظام القائم لمدة عام من دون تغيير جوهري.
في المقابل، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا ولاتفيا باتجاه تحديث نظام العقوبات، مع دعم أو مشاركة دول أخرى في بعض عناصر المقترح الأمريكي. ويرى هذا المعسكر أن الحرب لم تعد محصورة في دارفور، وأن استمرار الحظر بصيغته القديمة يترك أجزاء واسعة من السودان خارج نطاق إحدى أهم أدوات مجلس الأمن.
وبذلك فإن المشكلة الأساسية داخل المجلس ليست في مبدأ حظر الأسلحة إلى دارفور، إذ جرى تمديده بالإجماع، وإنما في السؤال الأكبر: هل ينبغي تحويل الحظر من إجراء إقليمي مرتبط بدارفور إلى حظر شامل على كامل السودان؟
لماذا لجأ المجلس إلى تمديد قصير بدلاً من الحسم ؟
التمديد القصير يعكس غياب التوافق وليس اتفاقاً على الإبقاء على الوضع الحالي بصورة نهائية. ففي 11 سبتمبر، أقر المجلس بالإجماع القرار 2828، الذي مدّد نظام العقوبات حتى 9 أكتوبر، في محاولة لمنع سقوط النظام القائم ريثما تستمر المفاوضات بشأن المقترح الأمريكي.
وأكدت الولايات المتحدة وبريطانيا ولاتفيا أن التمديد مؤقت وأن الفترة الإضافية ينبغي أن تستخدم للتوصل إلى نظام أكثر فاعلية.
وتكشف مواقف المجلس أن الإجماع الحالي هو إجماع على استمرار العقوبات مؤقتاً، وليس إجماعاً على شكلها النهائي. فالولايات المتحدة تريد تغيير النظام، بينما تريد روسيا والصين وأعضاء آخرون تمديده في صورته الحالية تقريباً.
المواجهة الحالية تعيد إنتاج خلاف قديم داخل مجلس الأمن حول كيفية التعامل مع السودان: هل يكون الضغط عبر تقييد قدرة جميع أطراف الحرب على الحصول على السلاح، أم عبر عقوبات محددة مع ترك للحكومة السودانية هامش الحصول على السلاح باعتبارها سلطة الدولة؟
واشنطن وحلفاؤها ينطلقون من أن الحرب أصبحت وطنية وأن استمرار تدفق السلاح إلى الأطراف يطيل أمدها؛ بينما ترى روسيا والصين ودول أخرى أن حظراً شاملاً قد يقيد قدرة الدولة السودانية على الدفاع عن أراضيها، وقد يفاقم الأزمة أو يهدد وحدة البلاد.
وهذا هو السبب في أن التمديد المؤقت لا يعني تراجعاً نهائياً من جانب واشنطن عن فكرة الحظر الشامل؛ بل يبدو أقرب إلى تأجيل المعركة الدبلوماسية إلى حين محاولة سد الفجوة بين المعسكرين. وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت صراحة في سبتمبر أن التمديد الطويل الأجل للوضع القائم ليس خياراً لديها.