نيويورك – السودان الآن

قال المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، إن جهوداً دبلوماسية واسعة تُبذل حالياً للتوصل إلى حل سلمي للحرب، لكنه أشار إلى أن «طرفي النزاع» لا يزالان يعولان على تحقيق مكاسب عسكرية وتعزيز مواقعهما قبل الدخول في مفاوضات مباشرة.

وتزامنت تصريحات هافيستو مع إعلان الجيش السوداني، الجمعة، استعادة منطقة سودري بولاية شمال كردفان بعد معارك مع قوات الدعم السريع، في أحدث تطور ضمن سلسلة من العمليات العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة والقوات المساندة لها في الولاية خلال الأسابيع الماضية.

وأعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة أن قواتها تمكنت من «تحرير» سودري بعد معارك قالت إنها كانت شرسة، مضيفة أن قوات الدعم السريع تكبدت خسائر في الأرواح والعتاد. ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من حجم الخسائر التي أعلن عنها الجيش.

وتأتي استعادة سودري بعد تقدم ميداني واسع للقوات المسلحة وحلفائها في شمال كردفان بدأ بصورة بارزة في يوليو، عندما أعلنت القوات المسلحة والقوات المساندة لها استعادة بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة والبركة، وهي مناطق ذات أهمية عسكرية ولوجستية على طرق تربط شمال كردفان بالعاصمة ومناطق أخرى. وأفادت تقارير بأن السيطرة على هذه المناطق عززت خطوط الإمداد باتجاه الأبيض وأم درمان.

وفي 24 سبتمبر، أعلن الجيش أيضاً إسقاط طائرتين مسيّرتين بعيدة المدى من طراز FH-95 شمال كردفان، في وقت تحدثت فيه مصادر محلية وعسكرية عن تصاعد القتال واستخدام الطائرات المسيّرة مع تقدم القوات الحكومية غرباً باتجاه مناطق أقرب إلى حدود دارفور.

وفي مقابلة مع «أخبار الأمم المتحدة» على هامش الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة في نيويورك، قال هافيستو إن التحركات الدبلوماسية بشأن السودان شهدت تكثيفاً ملحوظاً، مشيراً إلى اجتماعات الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، والخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

وقال هافيستو إنه يشعر «بشيء من التفاؤل» بسبب حجم الجهود الدبلوماسية المبذولة، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الوضع الميداني لا يزال عائقاً أمام التسوية، لأن الأطراف السودانية تسعى، بحسب تقديره، إلى تحسين مواقعها العسكرية قبل التفاوض.

وأضاف أن تعقيد الحرب يرتبط أيضاً بتعدد القوى داخل معسكري القتال، موضحاً أن التوصل إلى اتفاق لا يتطلب موافقة قائدي الجيش والدعم السريع وحدهما، وإنما يحتاج إلى التعامل مع القوى العسكرية والسياسية المرتبطة بكل طرف.

وأشار في هذا السياق إلى قادة مثل مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم في المعسكر المتحالف مع الجيش، وعبد العزيز الحلو في الجانب الآخر، معتبراً أن تعدد مراكز النفوذ والقوات يجعل أي تسوية بحاجة إلى جهود دبلوماسية واسعة.

وقال المبعوث الأممي إنه عاد أخيراً من الخرطوم، وإن الأمم المتحدة تعمل على إجراءات محدودة لبناء الثقة بين «طرفي الحرب»، من بينها مناقشة قضية المحتجزين المدنيين وإمكان تبادل الأسرى والإفراج عن المدنيين.

وأوضح أن كلاً من طرفي الفريق أول عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو «حميدتي» أنشأ آلية لمناقشة هذه الملفات مع الأمم المتحدة، معتبراً أن هذه الخطوات، رغم محدوديتها، تمثل مؤشراً على وجود تحرك يمكن البناء عليه.

وقال إن الطرفين ليسا مستعدين بعد للجلوس إلى طاولة تفاوض واحدة، لكنهما يقبلان بنمط من الدبلوماسية المكوكية التي تقوم بها الأمم المتحدة بينهما.

وحذر هافيستو من الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة في الحرب، قائلاً إن الطرفين يمتلكان إمكانية الوصول إلى تقنيات حديثة، وإن المسيّرات تُستخدم ضد أهداف مدنية وقوافل مساعدات ومدارس ومستشفيات.

ودعا إلى وقف تدفق الأسلحة إلى السودان، وبصفة خاصة الطائرات المسيّرة، معتبراً أن استمرار تدفقها يزيد المخاطر على المدنيين والبنية التحتية.

وقال إن العاملين في دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام أبلغوه خلال زيارته الأخيرة للخرطوم بأن نحو 1% فقط من الذخائر غير المنفجرة جرى تطهيرها، بينما لا تزال النسبة الأكبر بحاجة إلى إزالة.

وتجري التحركات الدولية بالتوازي مع مبادرة للحوار السوداني–السوداني داخل البلاد، أُعلنت في أغسطس بهدف فتح مسار للحوار الداخلي وإنهاء الحرب من خلال حل سوداني. وقالت اللجنة التمهيدية للمبادرة إنها تسعى إلى بناء توافق وطني وترفض الإملاءات أو الوصاية الخارجية.

ورحب الاتحاد الأفريقي بالمبادرة، داعياً إلى أن تشمل المشاورات مختلف المكونات المدنية والسياسية والمجتمعية، وأن تكون العملية شاملة ومملوكة للسودانيين، مع التأكيد على وحدة السودان وسيادته وإقامة دولة مدنية ديمقراطية.

لكن المبادرة واجهت أيضاً تحفظات من قوى مدنية، بينها تحالف «صمود»، الذي اعتبر أن إجراء حوار داخل مناطق خاضعة لسيطرة الجيش وفي ظل استمرار القتال قد يؤثر في طبيعة العملية السياسية، ودعا إلى وقف إطلاق النار قبل الدخول في عملية سياسية شاملة.

وكانت قوى سياسية ومدنية سودانية قد عقدت في أغسطس مشاورات في أديس أبابا بشأن مبادرة الحوار، وسط خلافات حول شكل العملية السياسية وترتيب الأولويات بين وقف الحرب والحوار الداخلي والانتقال المدني.

وفي المقابل، تواصل مجموعة الخماسية الدولية مشاوراتها مع القوى السودانية، مؤكدة أن العملية السياسية ينبغي أن تكون شاملة وذات مصداقية ومملوكة للسودانيين، مع الدعوة إلى خفض التصعيد والتوصل إلى سلام تفاوضي دائم.

وتأتي هذه التحركات في ظل ضغوط دولية متزايدة من أجل التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي.

وكانت الولايات المتحدة قد طرحت مقترحاً لهدنة لمدة 90 يوماً، فيما أفادت مصادر دبلوماسية سودانية وغربية، بحسب «رويترز»، بأن إصدار تأشيرة البرهان لحضور اجتماعات الجمعية العامة بدا مرتبطاً بقبول المقترح الأميركي. وأثارت الخرطوم المسألة مع الأمم المتحدة، بينما قالت الأمم المتحدة إنها أثارت الموضوع مع السلطات الأميركية.

ويعكس الخلاف بشأن الهدنة تبايناً في ترتيب الأولويات بين المسار العسكري والسياسي؛ إذ ترى قوى دولية أن وقف القتال وتسهيل وصول المساعدات يمثلان مدخلاً للعملية السياسية، بينما تتمسك أطراف سودانية بترتيبات أمنية وعسكرية قبل الانتقال إلى تسوية سياسية.

وحذر هافيستو من انتقال تداعيات الحرب إلى دول الجوار، مشيراً إلى استمرار تدفق اللاجئين السودانيين، ولا سيما عبر الحدود التشادية، ودعا إلى تعزيز التعاون الإقليمي لمنع تحول الصراع إلى أزمة أوسع.

وقال إن دول المنطقة تتحمل عبئاً كبيراً بسبب استقبال اللاجئين، وإن وقف الحرب يظل الطريق الأساسي للحد من آثارها الإقليمية والإنسانية.

كما شدد على ضرورة إشراك النساء والشباب والمجتمع المدني في العملية السياسية، مشيراً إلى الدور الذي لعبته مجموعات الشباب وغرف الطوارئ في مساعدة السكان خلال الحرب.

وفي رسالته إلى السودانيين، قال هافيستو: «أنتم لستم وحدكم»، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة تواصل تقديم المساعدات رغم صعوبة الوصول إلى مناطق القتال والمخاطر التي يتعرض لها العاملون في المجال الإنساني.

وقال إن الحرب ألحقت أضراراً عميقة بالنسيج الاجتماعي السوداني، وإن السلام لن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل سيتطلب معالجة آثار الحرب وإعادة بناء الثقة بين السودانيين.

وقال المبعوث الأممي إن الأطراف ليست مستعدة بعد للجلوس إلى طاولة واحدة، لكنه اعتبر قبولها بالدبلوماسية المكوكية التي تقودها الأمم المتحدة «خطوة صغيرة» يمكن البناء عليها، مؤكداً أن أي تقدم محدود نحو السلام يظل مهماً في هذه المرحلة.