نيويورك – السودان الآن

طالب السودان بإصلاح شامل للنظام الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة، ودعا إلى وقف التدخلات الخارجية وتدفقات الأسلحة والمرتزقة إلى البلاد، مؤكداً تمسكه بحوار سوداني–سوداني باعتباره المسار السياسي لحل الأزمة، وذلك خلال كلمة ألقاها وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محيي الدين سالم أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وتناولت الكلمة، التي جاءت في ظل استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، موقف الخرطوم من الحرب والمساعي الدولية لإنهائها، إلى جانب العقوبات الدولية، والإصلاح المؤسسي للأمم المتحدة، والمرحلة السياسية والاقتصادية لما بعد الحرب.

وقال سالم إن السودان كان يتوقع أن يخاطب رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الجمعية العامة، إلا أن عدم حصوله على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة حال دون مشاركته في اجتماعات الشق رفيع المستوى.

وجاءت مسألة التأشيرة في وقت أفادت فيه مصادر دبلوماسية بأن الولايات المتحدة لم تصدر تأشيرة البرهان لحضور الجمعية العامة، بينما أثار الأمر خلافاً حول التزامات الدولة المضيفة بموجب اتفاق المقر المبرم مع الأمم المتحدة عام 1947. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لاحقاً عن أسفه لعدم إصدار التأشيرة، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية السودانية.

وطالب السودان الأمين العام والجمعية العامة ولجنة العلاقات مع الدولة المضيفة باتخاذ ما يلزم لصون اتفاق المقر، ودعا إلى توثيق واقعة منع البرهان من المشاركة والنظر فيها عبر الآليات المختصة في الأمم المتحدة.

وانتقل الخطاب إلى الدعوة لإصلاح النظام الدولي، حيث قال وزير الخارجية إن السودان يحتاج إلى نظام دولي أكثر عدلاً، منتقداً ما وصفه باستخدام العقوبات القسرية لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، ومشيراً إلى العقوبات المفروضة على السودان منذ سنوات.

وفي هذا السياق، دعا سالم إلى إصلاح مجلس الأمن وتعزيز تمثيل أفريقيا بمقعدين دائمين، إلى جانب إصلاح النظام المالي الدولي بما يتيح للدول فرصاً أكثر مساواة في الحصول على التمويل.

ويطبق مجلس الأمن نظام عقوبات خاصاً بالسودان بموجب القرار 1591 لعام 2005، ويشمل حظراً للأسلحة مرتبطاً بإقليم دارفور، إضافة إلى تدابير تستهدف أفراداً محددين. وتوضح الأمم المتحدة أن حظر الأسلحة لا يمتد إلى جميع أنحاء السودان، بل يطبق على دارفور، وهو ما يجعل الدعوة السودانية إلى توسيع أو تغيير نظام العقوبات جزءاً من خلاف أوسع حول نطاق القيود الدولية المفروضة على البلاد.

دعوة لوقف تدفق السلاح

وأكد سالم أن الحكومة السودانية ترى أن تحقيق سلام دائم يتطلب وقف التدخلات الخارجية وتدفقات الأسلحة والذخائر والمرتزقة، متهماً قوات الدعم السريع بمهاجمة المدنيين والأعيان المدنية والبنى التحتية والمرافق الصحية.

ودعا المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات ضد ما وصفها بـ«الفظائع» والانتهاكات التي تنسبها الحكومة السودانية إلى قوات الدعم السريع، كما طالب بدعم المسارات القانونية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، خاصة في دارفور.

وتأتي هذه الدعوات في وقت كثفت فيه دول غربية ومنظمات دولية الضغط من أجل وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، بينما دعت دول ومجموعات دولية كذلك إلى وقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة وتوسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل السودان كله.

وفي المقابل، يواجه الجيش السوداني نفسه اتهامات دولية بارتكاب انتهاكات خلال الحرب، وهو ما يجعل ملف حماية المدنيين والمساءلة أحد المحاور الرئيسية في التحركات الدولية بشأن السودان.

الحوار السوداني والانتقال السياسي

وقال وزير الخارجية إن الحوار السوداني–السوداني الشامل القائم على «الملكية الوطنية» يمثل، من وجهة نظر الحكومة، الطريق الأمثل لحل الأزمة، لكنه اشترط تهيئة بيئة مناسبة للحوار من خلال إجراءات لحماية المدنيين وخفض التصعيد وبناء الثقة.

وشدد على ضرورة تنفيذ الالتزامات الواردة في إعلان جدة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بما في ذلك حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وضمان المرور الآمن للمدنيين الراغبين في مغادرة مناطق القتال بصورة طوعية.

وكان مجلس الأمن قد دعا الأطراف السودانية إلى الالتزام بإعلان جدة، وإجراء حوار وطني شامل وشفاف يقود إلى حكومة منتخبة ديمقراطياً بعد فترة انتقالية مدنية، مع التأكيد على مبدأ الملكية الوطنية للعملية السياسية. كما طالب القرار 2736، الصادر في يونيو 2024، قوات الدعم السريع بوقف حصار الفاشر، ودعا جميع الأطراف إلى حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

وأشار سالم إلى أن الحكومة بدأت، بحسب ما قال، في ترتيبات لتهيئة المناخ للحوار والوصول إلى أرضية مشتركة تقود إلى انتقال سياسي شامل ينتهي بانتخابات حرة ونزيهة، مع مراقبة دولية وإقليمية.

خارطة طريق ما بعد الحرب

وجدد وزير الخارجية تمسك السودان بخارطة الطريق التي قدمتها الحكومة في ديسمبر 2025، والتي تضمنت مساراً لوقف الحرب وترتيبات أمنية وسياسية تقود إلى مرحلة انتقالية وانتخابات.

وكان رئيس الوزراء كامل إدريس قد عرض أمام مجلس الأمن في ديسمبر 2025 مبادرة حكومية للسلام، تضمنت وقف إطلاق النار وتجميع قوات الدعم السريع في معسكرات محددة، وتسهيل عودة النازحين واللاجئين ونزع السلاح وفق ترتيبات مراقبة متفق عليها.

وأكد سالم انفتاح السودان على المبادرات التي قال إنها تهدف إلى إنهاء الحرب، لكنه رفض في الوقت نفسه ما وصفه بفرض حلول أو إملاءات خارجية، مشدداً على أن تحديد مستقبل البلاد يجب أن يتم وفق «ملكية وطنية» للعملية السياسية.

كما أكد استمرار تعاون الحكومة مع الأمم المتحدة، بما في ذلك المبعوث الشخصي للأمين العام والمنظمات الإنسانية وآليات حقوق الإنسان، داعياً المجتمع الدولي إلى دعم المسارات القانونية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات.

الاقتصاد وإعادة الإعمار

وفي الجانب الاقتصادي، أشار سالم إلى مشاركة السودان في «منصة البلدان المقترضة» التي أُنشئت في أبريل 2026، وإلى جهود الحكومة لتحسين علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية والعمل على معالجة ملف الديون وتمويل مرحلة التعافي. وتظهر وثائق الأمم المتحدة أن منصة البلدان المقترضة أُنشئت في أبريل 2026 ضمن مخرجات مسار تمويل التنمية.

كما تحدث عن مشاركة السودان في مجموعة الدول الأقل نمواً، ومساعيه لتعزيز التعاون مع دول الجنوب العالمي والاستفادة من الشراكات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وجدد السودان دعمه للقضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس، كما دعا إلى دعم الاستقرار في البحر الأحمر وباب المندب ومنطقة الخليج واحترام سيادة دول المنطقة.