كتب / الهادي عبدالله
لم تكن السيادة يوماً مجرد شعارات تُرفع في المحافل، أو تقارير تُحبس في الأدراج الموصدة، بل هي ”إرادة“ تتجسد في الميدان وقدرة على مواجهة التحديات قبل وصولها إلى عتبات الديار. وما نشهده اليوم من مفارقة في التعامل مع التدخلات الإماراتية السافرة بين التجربتين السعودية والسودانية، يضعنا أمام تساؤلات مشروعة حول مفهوم ”الكرامة الوطنية“ لدى صانع القرار.
لقد قدمت المملكة العربية السعودية نموذجاً يحتذى به في ”الحزم الشفاف“؛ فحينما اقترب الطموح الإماراتي من أمنها القومي عبر ميناء الفجيرة وشحن المدرعات لليمن، لم تكتفِ الرياض بالرصد الاستخباراتي الصامت، بل وثقت الجريمة بالصوت والصورة، ونشرت أدلة دامغة أمام الرأي العام الدولي، وأتبعتها بضربة جوية مسحت تلك الأوهام من خارطة التهديد. فعلت ذلك لأن القيادة تدرك أن تأمين الحدود يبدأ من ضرب ”رأس السرطان“ في مهده، لا انتظار وصوله إلى مفاصل الدولة.
أما في واقعنا السوداني، فإن المشهد يثير الأسى والحيرة؛ فبينما تتكدس لدى أجهزتنا التقارير الاستخباراتية، والوثائق الأممية، والصور الموثقة التي تثبت تورط محور الشر ”الامارات“ في تغذية التمرد عبر تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، نجد صمتاً رسمياً غريباً عن كشف هذه الحقائق للعالم باللغة التي يفهمها. إن رؤية طائرات الإمداد وهي تفرغ حمولتها للمليشيا، والسماح بوصول الوقود والعتاد إلى مصفاة الجيلي والفاشر وبابنوسة تحت سمع وبصر الأجهزة، هو طعنة في خاصرة السيادة الوطنية.
إن الفرق بين ”الرياض“ و”الخرطوم“ في هذه المعركة ليس فرقاً في الطائرات أو الميزانيات، بل هو فرق في ”عقيدة القيادة“. فالكرامة التي تُفقد في دهاليز الدبلوماسية المرتجفة لا تُسترد في ساحات المعارك المتأخرة. إن قصة السيادة هي قصة عزة نفس وقيادة ترفض أنصاف الحلول، ولا تخشى في الحق لومة لائم أو ضغوط مجتمع دولي ”أعور“.
مرة أخرى، ندق ناقوس الخطر؛ فالتاريخ لن يرحم من رأى القوات المستجدة لعدوه تُنقل بعربات جيشه، أو من صمت عن ”إمداد الموت“ وهو يتدفق عبر الحدود.
لقد حان الوقت لتخرج تلك الأدلة إلى العلن، ولتتحول التقارير إلى أفعال، فالحياة بلا كرامة هي موت مؤجل، والسيادة التي لا تحميها القوة هي مجرد ”حبر على ورق“.