نيويورك – صوت الهامش

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن البنية التحتية الأساسية في السودان تعرضت للدمار، محذرة من شبح كارثة إنسانية يحدّق بالبلاد الغارقة في الصراع.

ونشرت المنظمة تقريرا، اطلعت عليه الصوت الهامش، عن كيفية تعامل السودانيين المدنيين مع الصراع، وما يحتاج إليه هؤلاء لكي يكونوا آمنين.

إعلان

ولفت التقرير إلى معاناة الكثير من السودانيين الآن في سبيل تأمين القليل من الكهرباء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

وفي معظم الأحيان تكون شبكة اتصالات الهواتف معطّلة، كما يصعب في أغلب الأحيان الحصول عبر الإنترنت على الخدمات البنكية – والتي تمثل طريقا حيويا لشراء احتياجات ضرورية مثل الغذاء.

وبوجه عام، لا تعمل البنوك الآن في السودان. وعليه، فمن غير الممكن للناس أن يتحصّلوا على أموال نقدية.

وفي ضوء ذلك، يجد السودانيون المدنيون أنفسهم مضطرين إلى التعايش مع الاقتتال بين طرفين يتصارعان على السُلطة، ومع آثار هذا الاقتتال على الحياة اليومية.

وعن النازحين داخليا، قالت هيومن رايتس ووتش، إنه لا توجد تقارير كافية عن هؤلاء النازحين وعن أعدادهم بشكل دقيق، والسبب في ذلك هو أن الاقتتال أعاق بشكل كبير حركة العاملين في مجال الإغاثة.

ولفت التقرير إلى نزوح كثيرين إلى شرق السودان، حيث المنطقة أكثر أمانا، بينما نزح البعض إلى الشمال. فيما لا يزال كثيرون يعيشون حالة الحصار في العاصمة الخرطوم إمّا لأنهم لا يملكون تكاليف السفر أو بسبب المرض الذي يعجزهم عن الحركة، أو لأنهم لا يريدون مغادرة منازلهم.

وتضطر عائلات عديدة إلى اتخاذ القرار الصعب بترك أحد أفراد العائلة في الديار بينما ينزح الآخرون.

وعن الاقتتال في ولاية غرب دارفور، قال التقرير إنه ومنذ 2019، تنضمّ ميليشيات عربية إلى قوات الدعم السريع، وتشنّ هجمات على المجتمعات غير العربية في غرب دارفور.

وقتلت تلك القوات مئات وأحرقت قرى عديدة وتركتها رمادا.

وفي ظل غياب حماية الدولة، رأت مجتمعات مستهدفة عبر تلك الهجمات، ولا سيما قبيلة المساليت، أن تكوّن ميليشيات للدفاع عن نفسها.

ولم تتعافى بعدُ مجتمعات دارفور من عقدين من الصراع وجرائم التطهير العرقي.

ولم تقع أبداً أي محاولة جادة لمعالجة هذا العنف من جذوره. ومن تلك الجذور، محاسبة المتورطين في جرائم قتل وغيرها، والاستيلاء على الأراضي والموارد الطبيعية، فضلا عن محاولة كبح جماح القوات المعتدية.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن الإطاحة بنظام البشير في عام 2019 خلقت آمالا كبيرة في أن يعمّ السلام والعدل في إقليم دارفور الذي شهد فظائع وجرائم حرب في ظل البشير.

لكن أيا من تلك الآمال لم يتحقق؛ ولم تضع النخبة السياسية ولا الجهات الدولية الفاعلة دارفور في أولوياتها.

بل قامت هذه الأطراف بإقناع عناصر حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بالانسحاب من دارفور.

وهكذا، وضع العالم ثقته في حكومة السودان بأن تتولى هي حماية المدنيين دونما رقابة وتدقيق حقيقيين.

وأكدت هيومن رايتس ووتش، بعد تحقيق في أحداث العنف بولاية غرب دارفور، أن الهجمات التي تتعرض لها الولاية منذ 2019 ليست صدامات “بين القبائل المحلية وبعضها البعض”، وأن عناصر تابعة لقوات الدعم السريع -جنبا إلى جنب مع ميليشيات عربية- ضالعة في تلك الهجمات.

ولفت التقرير إلى أنه ومنذ يوم 24 أبريل الماضي، شهدت مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور صدامات بين عناصر تابعة للجيش النظامي السوداني من جهة، وعناصر تابعة لقوات الدعم السريع جنبا إلى جنب مع ميليشيات عربية من جهة أخرى.

وفي الأيام القليلة الماضية، انسحبت عناصر الجيش النظامي إلى قواعدها في مدينة الجنينة، تاركة الميدان لعناصر الدعم السريع والميليشيات العربية تهاجم مجتمعات غير عربية، وبعض هذه المجتمعات يمتلك السلاح وبعضها كان مستعدا بالفعل لتلك المواجهات.

ونبهت هيومن رايتس ووتش إلى أنه وعلى مدى سنوات، فشلت الحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية في الاستجابة بالشكل الكافي للانتهاكات الواقعة في ولاية غرب دارفور، على نحو ترك كثيرين من سكان تلك المناطق يشعرون أنهم منسيون من قِبل العالم الخارجي.

وحذّرت المنظمة الحقوقية من مغبة عدم الانتباه لما يجري في دارفور، وبأن الأوضاع قد تخرج عن السيطرة.

وعمّ ينبغي على المجتمع الدولي أن يفعل؟، قالت هيومن رايتس ووتش إن سِجلّ طرفَي الصراع السوداني من الانتهاكات على مدى سنوات يقول إنهما لن يحترما قوانين الحروب -على النحو الذي تعهّدا به في جدة مؤخرا- إلا بضغوط خارجية كبيرة.

ورأت المنظمة الحقوقية أن إفلات جنرالات السودان المتورطين في جرائم من العقاب على تلك الجرائم لم يزدهم إلا تماديا.

ودعت المنظمة إلى تغليب ثلاثة أولويات مرتبطة ببعضها البعض، هي: حماية المدنيين؛ وتقديم المساعدات الإنسانية؛ ومحاسبة المسؤولين.

وإلى ذلك، أكدت هيومن رايتس ووتش على أهمية تمديد حظر توريد السلاح إلى دارفور؛ وعلى أهمية استهداف القيادات المتورطة في انتهاكات بعقوبات رادعة.

واختتمت المنظمة الحقوقية تقريرها بالقول إن “العالم ظل يقول للشعب السوداني إنه يقف إلى جواره ويدعمه، ولكن حتى الآن تظلّ هذه وعود جوفاء. لقد خذل العالم الشعبَ السوداني عندما تقرّب إلى قيادات تنتهك حقوق هذا الشعب….”.