كسلا– يواجه الصحفيون والصحفيات في السودان مخاطر متصاعدة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تشمل القتل والاعتقال والاختفاء القسري والتعذيب والعنف الجنسي، في وقت لا تزال فيه المحاسبة عن الجرائم المرتكبة بحقهم غائبة. ومع إحياء اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، تكشف الأرقام المحلية والدولية اتساع الانتهاكات، وتضع السودان في قلب أزمة تتجاوز استهداف الأفراد إلى تقويض حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.

ففي مدن دارفور، من الفاشر والجنينة إلى نيالا وزالنجي، تراجعت التغطية الصحفية تحت وطأة القتال وانقطاع الاتصالات والنزوح، فيما أصبح الصحفيون بين قتيل ومعتقل ومختفٍ، أو مضطرين إلى مغادرة مناطق عملهم بحثاً عن الأمان. ولم تعد المخاطر مقتصرة على التهديدات المباشرة، بل امتدت إلى الملاحقات القضائية والاستيلاء على المؤسسات الإعلامية ومنازل العاملين فيها.

أرقام عالمية صادمة.. ست جرائم قتل من كل سبع بلا محاسبة

أظهر تقرير المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» بشأن سلامة الصحفيين وخطر الإفلات من العقاب، الصادر في 2 نوفمبر 2026، مقتل 189 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي خلال عامي 2024 و2025، بزيادة بلغت 20% مقارنة بالفترة السابقة، وهي أعلى حصيلة منذ عامي 2014 و2015.

وذكر التقرير أن 127 من القتلى، أي نحو 67%، سقطوا في مناطق النزاعات المسلحة، فيما قُتلت 14 صحفية خلال الفترة نفسها، 13 منهن في مناطق النزاع. كما رصد استخدام الطائرات المسيّرة في قتل 50 صحفياً، بما يعادل 40% من الصحفيين الذين قُتلوا في مناطق النزاعات، ما يعكس تحول هذه الطائرات إلى تهديد متزايد للعاملين في التغطية الميدانية.

والأكثر خطورة أن نسبة الإفلات من العقاب في جرائم قتل الصحفيين ارتفعت إلى 86% خلال عامي 2024 و2025، مقارنة بـ85% في الفترة السابقة، في أول ارتفاع منذ بدء اليونسكو قياس هذا المؤشر عام 2012. وتعني النسبة أن نحو ست جرائم قتل من كل سبع لا تنتهي بمحاسبة قضائية، فيما تقترب معدلات الإفلات من العقاب من 100% في مناطق النزاعات المسلحة، وفق التقرير.

وفي رسالته بمناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى حماية الصحفيين ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداء عليهم، مشيراً إلى أنهم يواجهون المضايقات والمراقبة والملاحقة والسجن، وقد يدفعون حياتهم ثمناً لأداء عملهم.

السودان.. 673 انتهاكاً خلال الحرب

في السودان، وثقت سكرتارية الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين 673 انتهاكاً بحق الصحفيين والصحفيات خلال الفترة من 15 أبريل 2023 حتى 30 يونيو 2026، بينها مقتل 34 صحفياً وصحفية، و116 حالة اعتقال واحتجاز تعسفي واختفاء قسري، و120 حالة تهديد وخطاب كراهية، إضافة إلى 34 حالة إطلاق نار واستهداف مباشر.

وأوضحت النقابة أن هذه الأرقام لا تشمل الانتهاكات التي وقعت بعد 30 يونيو 2026، ما يعني أن الحصيلة الفعلية قد تكون أكبر مع استمرار الحرب وتواصل الاعتداءات على العاملين في المجال الإعلامي.

وفي إفادة قدمتها إلى الكونغرس الأمريكي في 21 أكتوبر 2026، قالت لجنة حماية الصحفيين إنها تحققت من مقتل 16 صحفياً في السودان على صلة مباشرة بعملهم الصحفي. ويعود الاختلاف بين الرقمين إلى تباين منهجية التوثيق؛ إذ تشمل إحصاءات النقابة الصحفيين الذين قُتلوا خلال الحرب، بمن فيهم ضحايا القصف، بينما تقتصر بيانات اللجنة على الحالات التي ثبت لديها ارتباط مقتل أصحابها بممارستهم العمل الصحفي.

ورصدت لجنة حماية الصحفيين انتهاكات ارتكبتها أطراف الحرب، شملت احتجاز قوات الدعم السريع صحفيين وإخفاءهم قسراً، والاستيلاء على مقار إعلامية ومنازل صحفيين، وتعريض عاملين في الصحافة للتعذيب والعنف الجنسي. كما أشارت إلى اعتقال الجيش والقوات المتحالفة معه صحفيين، ومحاكمة آخرين بتهم تتعلق بالتعاون مع قوات الدعم السريع، إلى جانب استخدام قوانين الجرائم الإلكترونية لملاحقة تغطيات نقدية.

وامتدت الملاحقات إلى الإجراءات القضائية والبلاغات المرتبطة بالنشر والعمل الإعلامي؛ إذ رصدت النقابة 64 قضية ملاحقة قضائية بحق صحفيين خلال الحرب، كما تعرض 47 صحفياً ومؤسسة إعلامية لبلاغات بموجب قانون جرائم المعلوماتية في موجة واحدة، أُعلن على إثرها عن 18 صحفياً وصحفية بوصفهم متهمين هاربين.

وعلى مستوى حرية الصحافة، احتل السودان المرتبة 161 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود»، متراجعاً خمس مراتب عن تصنيفه في عام 2025، حين جاء في المرتبة 156.

دارفور.. انتهاكات متعددة واستهداف للصحفيات

تبدو الانتهاكات في دارفور أكثر تعقيداً، إذ لا تقتصر على القتل والاعتقال والاختفاء القسري، بل تشمل أيضاً التعذيب والعنف الجنسي والتهديد والتشهير ونهب الممتلكات، إلى جانب قطع الاتصالات والقيود الأمنية والاجتماعية التي تعيق عمل الصحفيين والصحفيات.

وفي مدينة الفاشر، قالت لجنة حماية الصحفيين، في بيان صدر في 30 أكتوبر 2025، إنها تلقت تقارير عن اختفاء 13 صحفياً عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في 26 أكتوبر من العام نفسه.

ونقلت اللجنة عن منتدى صحفيات دارفور تعرض ثلاث صحفيات على الأقل للاغتصاب على يد مقاتلين خلال الهجوم، مشيرة إلى أن هذه الاعتداءات تأتي ضمن نمط أوسع من العنف الجنسي الذي تتعرض له الصحفيات والنساء في مناطق النزاع.

وفي بيان صدر في 2 نوفمبر 2025، قال منتدى صحفيات دارفور إن الصحفيات في الإقليم يواجهن استهدافاً مركباً يشمل الاعتقال والتشهير والتهديد والعنف الجنسي، في ظل قيود اجتماعية وأمنية إضافية تحد من قدرتهن على الوصول إلى الحماية والدعم.

ولا تتوقف المخاطر عند التغطية الميدانية، بل تمتد إلى الصحفيات بسبب طبيعة الانتهاكات المرتبطة بالنوع الاجتماعي، وما يصاحبها من تهديدات ووصم اجتماعي قد يمنع الضحايا من الإبلاغ عن الاعتداءات أو طلب الحماية، ويزيد من صعوبة توثيق الجرائم وملاحقة مرتكبيها.

معمر إبراهيم.. عام كامل في المجهول

يمثل الصحفي معمر إبراهيم واحدة من أبرز حالات احتجاز الصحفيين في السودان. فقد مر عام على اعتقاله بواسطة قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر 2025، أثناء محاولته الفرار من مدينة الفاشر، ولم يظهر منذ ذلك الوقت سوى مرة واحدة في مقطع فيديو نُشر في نوفمبر من العام نفسه، وكان محاطاً بعناصر مسلحة.

وتشير معلومات إلى نقله إلى سجن دقريس غرب مدينة نيالا. وقالت نقابة الصحفيين السودانيين ولجنة العدالة، في بيانين صدرا في 1 نوفمبر 2026، إن حالته الصحية تدهورت بصورة كبيرة، وإنه حُرم من التواصل مع أسرته والحصول على الرعاية الطبية.

وتعكس قضيته استمرار الغموض بشأن مصير الصحفيين المحتجزين، في ظل غياب المعلومات الرسمية عن أماكن احتجازهم والظروف التي يعيشون فيها، وعدم تمكين أسرهم من التواصل معهم أو الاطمئنان على أوضاعهم الصحية.

وفي السياق نفسه، وثقت نقابة الصحفيين خمس حالات اختفاء قسري لا يزال مصير أصحابها مجهولاً، وهم أشرف الحبر في مناطق سيطرة القوات المسلحة، ومصعب الهادي الذي لم تُعرف الجهة المسؤولة عن اختفائه، ومصطفى فضل المولى المعروف بـ«أبو قوتة»، ومجدي يوسف الزين، ومحمد حسين شلبي في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

وأشارت النقابة إلى أن مصطفى فضل المولى محتجز منذ سبتمبر 2023، دون توافر معلومات عن مكان احتجازه أو ظروفه، ما يثير مخاوف بشأن سلامته وحق أسرته في معرفة مصيره.

خمس صحفيات.. اعتقال وإفراج جزئي

تعرضت خمس صحفيات للاعتقال في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، بعدما داهمت قوة من قوات الدعم السريع، في 28 فبراير 2026، ورشة عمل تتناول حقوق المرأة.

وشملت قائمة المعتقلات إشراقة عبد الرحمن، وزهراء محمد الحسن، ومواهب إبراهيم، وازدهار عبد المنعم، ومنال مصطفى السنوسي.

وبعد أكثر من ستة أشهر من الاحتجاز دون توجيه تهم رسمية، وفي ظروف صحية متدهورة، أُفرج في 6 سبتمبر 2026 عن ثلاث منهن، هن إشراقة وزهراء ومواهب، عقب تدخل المرصد الدولي لحرية الصحافة ولجنة حماية الصحفيين.

لكن الإفراج الجزئي لم ينهِ المخاوف بشأن بقية المعتقلات، إذ ظل مصير ازدهار عبد المنعم ومنال مصطفى السنوسي غير واضح حتى وقت إعداد هذا التقرير، في ظل غياب معلومات مؤكدة عن مكان احتجازهما وظروفهما.

وتكشف هذه القضية عن المخاطر التي تواجه الصحفيات، خصوصاً في الأنشطة المرتبطة بحقوق المرأة والعمل المدني، كما تبرز أهمية الضمانات القانونية التي تمنع الاعتقال التعسفي وتكفل حق المحتجزات في التواصل مع أسرهن والحصول على الرعاية الصحية.

ماذا جرى بشأن الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين ؟

رغم تعدد البيانات والمطالبات المحلية والدولية، لا تزال المساءلة عن الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في السودان محدودة، ولم تُعلن حتى الآن نتائج تحقيقات مستقلة وشفافة تقود إلى محاسبة المسؤولين عن حالات القتل والاختفاء والعنف الجنسي التي وثقتها المنظمات والنقابات.

وفي 2 نوفمبر 2026، طالبت نقابة الصحفيين السودانيين بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جرائم قتل الصحفيين واستهدافهم، والإفراج عن المحتجزين، والكشف عن مصير المختفين قسرياً، ووقف الملاحقات القضائية المرتبطة بممارسة العمل الصحفي.

كما طالبت لجنة حماية الصحفيين الكونغرس الأمريكي بتشديد الرقابة على شبكات السلاح والتمويل التي تدعم أطراف الحرب في السودان، في إطار الجهود الرامية إلى الحد من الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

من جهته، دعا معهد جنيف لحقوق الإنسان، في كلمته بمناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب، إلى تعزيز التدابير القانونية والمؤسسية لحماية الصحفيين، والتصدي للاعتداءات الجسدية والرقمية، وضمان حرية الوصول إلى المعلومات دون ترهيب أو تهديد.

وطالب منتدى صحفيات دارفور بإجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون والصحفيات، وإدراج الجرائم المرتكبة ضدهم ضمن التحقيقات المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب توفير الحماية القانونية والمادية للصحفيات النازحات والعاملات في التوثيق والإعلام الميداني.

وتشير هذه المطالب إلى أن معالجة الأزمة لا تتطلب الاكتفاء بإدانة الانتهاكات، بل تستدعي تحقيقات قادرة على تحديد المسؤوليات، وضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب، وتوفير آليات لحماية الشهود والضحايا وأسرهم.

الإفلات من العقاب.. تهديد لحق المجتمع في المعرفة

لا تقتصر خطورة الإفلات من العقاب على حرمان الصحفيين وأسرهم من العدالة، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، لأن استهداف الصحفيين يحد من قدرة المواطنين على معرفة ما يجري حولهم، خصوصاً في مناطق النزاعات التي تتراجع فيها التغطية المستقلة وتزداد صعوبة التحقق من المعلومات.

فعندما يُقتل صحفي دون محاسبة، لا تكون الخسارة مقتصرة على حياته المهنية والشخصية، بل تمتد إلى القصص التي كان يمكن أن ينقلها، والانتهاكات التي كان يمكن أن يوثقها، والمعلومات التي يحتاج إليها الناس لفهم ما يحدث في مناطقهم.

وعندما تختفي صحفية أو تُعتقل بسبب عملها، تتراجع أيضاً فرص توثيق الانتهاكات التي تتعرض لها النساء والنازحات، خصوصاً في المناطق التي يصعب على المؤسسات الإعلامية والمنظمات الحقوقية الوصول إليها.

وحذرت اليونسكو من أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الاعتداءات، ويقوض سلامة الصحفيين وحرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. كما أظهرت بياناتها لعام 2026 أن الدول العربية سجلت أعداداً مرتفعة من حالات قتل الصحفيين، في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بالنزاعات المسلحة واستخدام الطائرات المسيّرة والاعتداءات الرقمية.

وفي السودان، تتداخل هذه التهديدات مع استمرار الحرب واتساع رقعة النزوح وانقطاع الاتصالات، ما يجعل حماية الصحفيين ضرورة ملحة لتوثيق الأحداث والانتهاكات، والحفاظ على تدفق المعلومات من المناطق المتضررة.

من دارفور، حيث تتواصل معاناة الصحفيين بين القتل والاعتقال والاختفاء، تتجدد المطالبة بألا تتحول الجرائم المرتكبة ضد العاملين في الصحافة إلى وقائع بلا مساءلة. فحماية الصحفيين ليست امتيازاً مهنياً، بل ضمانة لحق المجتمع في المعرفة، ولا يمكن تحقيق العدالة للضحايا دون كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.