د / عبدالحميد عبدالله( باقا )
المحامي
قراءة موجزة عن المادة 27 من اتفاقية فيينا من قانون المعاهدات 1969.
اعتاد المجتمع الدولي أن يجتمع في شهر سبتمبر من كل عام في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، حيث تُعقد أعمال الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، ويشارك فيها رؤساء الدول ، الحكومات، الملوك ، الأمراء ، رؤساء الوفود وممثلو دول الأعضاء، وفقاً للقواعد والإجراءات المنظمة لأعمال الجمعية العامة.
ومن المعلوم أن مقر الأمم المتحدة يقع في مدينة نيويورك، أي داخل اراضي الولايات المتحدة الأمريكية الأمر الذي يخضع العلاقة بين الأمم المتحدة والدولة المضيفة لأحكام اتفاقية المقر بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية (Headquarters Agreement).
وتثير مسألة منح تأشيرات الدخول لممثلي الدول للمشاركة في أعمال الجمعية العامة إشكالية قانونية مهمة سيما في الحالات التي ترفض فيها السلطات الأمريكية منح تأشيرة الدخول لشخصية رسمية ترغب دولتها في إيفادها للمشاركة في أعمال الأمم المتحدة.
وتنص اتفاقية المقر سيما الأحكام المتعلقة بتسهيل دخول الأشخاص المرتبطين بأعمال الأمم المتحدة على التزامات تقع على عاتق الدولة المضيفة تجاه ممثلي الدول والأشخاص المدعوين أو المرتبطين بأعمال المنظمة ومن ثم فإن السؤال القانوني الأساسي يتمثل في مدى توافق رفض منح التأشيرة مع الالتزامات الدولية التي تعهدت بها الولايات المتحدة بموجب اتفاقية المقر.
وفي المقابل تستند الولايات المتحدة في بعض الحالات إلى أحكام قانونها الداخلي المتعلقة بالهجرة والأمن القومي والتي تمنح السلطات المختصة صلاحيات واسعة في رفض دخول بعض الأشخاص إلى أراضيها خاصة حين ترى السلطات الأمريكية أن دخول شخص معين قد يشكل تهديداً للأمن القومي أو يرتبط بأنشطة إرهابية أو تجسسية أو غيرها من الأسباب التي يحددها القانون الأمريكي.
وهنا تبرز مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالعلاقة بين الالتزام الدولي للدولة وقواعدها القانونية الداخلية. فوفقاً للمبدأ المستقر في القانون الدولي، لا يجوز للدولة أن تحتج بقانونها الداخلي لتبرير عدم تنفيذ التزام دولي تعهدت به بموجب معاهدة نافذة.
ومع ذلك، فإن رفض منح التأشيرة لشخصية معينة لا يعني بالضرورة حرمان الدولة المعنية من حقها في المشاركة في أعمال الجمعية العامة، إذ يمكن للدولة أن توفد ممثلاً آخر عنها وفقاً للقواعد المنظمة لتمثيل الدولة في الأمم المتحدة ما لم تكن هناك أسباب قانونية تحيل دون ذلك.
كما شهدت أعمال الجمعية العامة في بعض المناسبات استخدام وسائل الاتصال عن بُعد، بما في ذلك تقديم كلمات مسجلة مسبقاً، عندما يتعذر على بعض القادة أو المسؤولين حضور الاجتماعات شخصياً. غير أن هذه الوسائل لا ينبغي أن تُفهم بالضرورة على أنها بديل قانوني كامل عن حق الحضور الشخصي متى كان ذلك الحق مكفولاً بموجب الالتزامات الدولية ذات الصلة.
وعليه فإن الإشكالية لا تنحصر في السؤال حول هل الولايات المتحدة تملك بموجب قانونها الداخلي سلطة رفض تأشيرة الدخول ؟ وإنما تمتد إلى سؤال أكثر أهمية من منظور القانون الدولي وهو هل يجوز للولايات المتحدة أن تمارس تلك السلطة بطريقة تتعارض مع التزاماتها الدولية بوصفها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة؟
ومن منظور قانون المعاهدات، فإن وجود نصوص في القانون الداخلي الأمريكي تمنح السلطات صلاحيات تتعلق بالتأشيرات والأمن القومي لا يحسم وحده مدى مشروعية الرفض على المستوى الدولي !! إذ يجب بحث مدى توافق ممارسة تلك الصلاحيات مع الالتزامات التي قبلتها الولايات المتحدة بموجب اتفاقية المقر وغيرها من قواعد القانون الدولي ذات الصلة.
لذلك ارى ان التحدي القانوني الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين مقتضيات الدولة المضيفة المتعلقة بالأمن والهجرة من جهة والالتزامات الدولية التي تفرض عليها استضافة مقر الأمم المتحدة وضمان قدرة ممثلي الدول على المشاركة في أعمال المنظمة من جهة أخرى.
هل يجوز لأمريكا ممارسة سلطة رفض التأشيرة بطريقة تتعارض مع التزاماتها الدولية ؟
إذ من الواضح ان هنالك هنالك فرق بين وجود سلطة بموجب القانون الداخلي و مدى مشروعية استخدامها في مواجهة الالتزامات .
في الختام نؤكد ان هذا المقال يمثل رأيآ وتحليلا قانونيا وليس موقفآ سياسيآ ..