كتب / عبد الهادي عبد الله

تكشف الأحداث التي شهدتها منطقة البوم التابعة لوحدة عبري الإدارية بمحلية حلفا في الولاية الشمالية أن الأزمة السودانية لا تقتصر على الصراع السياسي والعسكري، بل تمتد إلى أزمة أعمق تتعلق بقدرة المجتمع على إدارة اختلافاته الدينية والاجتماعية والإثنية دون أن تتحول إلى عنف.

وبحسب ما أعلنه رئيس المقاومة الشعبية في عبري، اللواء ركن معاش إبراهيم حسن، فقد تمت السيطرة على الأحداث التي شهدها سوق خط البوم للتعدين، وألقي القبض على 65 شخصاً من المشاركين فيها، تمهيداً للتحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

إعلان

لكن السيطرة الأمنية على الأحداث لا تجيب عن السؤال الأهم : كيف يمكن لخلاف محلي أن يتطور إلى اشتباكات وأعمال تخريب، ولماذا أصبح المجتمع السوداني سريع الاشتعال أمام الاختلافات الدينية والاجتماعية ؟

تداولت منصات التواصل الاجتماعي رواية تربط بداية الأحداث بخلاف بين جماعة أنصار السنة والصوفية حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، قبل أن يتطور إلى اشتباكات بالأيدي وأعمال تخريب طالت مسجداً قيل إنه يتبع لأنصار السنة.

وفي المقابل، تداولت مصادر محلية رواية أخرى تشير إلى أن الغضب بدأ أيضاً على خلفية عبارات وُصفت بأنها عنصرية صدرت عن إمام المسجد بحق العاملين في قطاع التعدين.

ولهذا، فإن التعامل مع رواية واحدة باعتبارها الحقيقة النهائية قبل اكتمال التحقيقات سيكون خطأ. لكن المؤكد أن أي خطاب ديني أو اجتماعي يستهدف جماعة دينية أو إثنية بالإهانة والتحريض يمكن أن يصبح خطيراً، خصوصاً عندما يصدر من منبر ديني. وفي الوقت نفسه، فإن الاعتراض على خطاب مستفز لا يبرر الاعتداء على المساجد أو تخريب دور العبادة.

عرِف المجتمع السوداني تاريخياً بتنوعه الديني والمذهبي، وبالحضور الواسع للطرق الصوفية. ولم يكن الاختلاف في المسائل الفقهية مشكلة في حد ذاته.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف من : ”أنا أعتقد أن رأيك خاطئ“ إلى ”أنت منحرف أو كافر لأنك لا تتبنى رأيي“. فمن حق أي مسلم أن يرفض الاحتفال بالمولد النبوي، ومن حق آخر أن يراه ممارسة مشروعة وفق فهمه الديني. ويمكن للعلماء أن يناقشوا ذلك بالحجة، لكن لا يجوز أن يتحول الخلاف إلى تكفير أو تحريض أو عنف.

أظهرت النقاشات التي أعقبت أحداث عبري خطورة أخرى، تمثلت في استخدام خطاب تكفيري وعدائي، ومحاولات تحويل الحادث من خلاف محلي إلى صراع عرقي أو جهوي.

التكفير ليس مجرد كلمة في نقاش إلكتروني. ففي مجتمع يعاني الحرب وانتشار السلاح والانقسامات، يمكن أن يتحول إلى وسيلة لنزع الإنسانية عن الآخر وتبرير الاعتداء عليه. والأمر نفسه ينطبق على الخطاب العنصري. فإذا ارتكب شخص جريمة، فيجب أن يحاسب بصفته الفردية وفق القانون، وليس بتحويل فعل فرد أو مجموعة إلى اتهام مجموعات قبلية أو مناطق أو إثنيات بأكملها.

إن الحديث جرى تداوله ايضاً بالتزامن مع الحادث، حيث وصف بعض الفاعلين بـ ”الرائعيين“ حسب ادبيات الكاتب اسحاق فضل الله والذي تبناه عبد الرحمن عمسيب في مشروعه العنصري في وصف بعض السودانيين ”دولة البحر والنهر“ يمثل أحد أخطر أشكال الخطاب الذي عانى منه السودان لعقود. فالولاية الشمالية ليست ملكاً لمجموعة إثنية تمنح الآخرين حق الإقامة أو تسلبه منهم، كما أن العامل القادم إليها بحثاً عن الرزق لا يفقد حقوقه بسبب مكان ميلاده.

تعيد الحادثة طرح سؤال مهم حول مسؤولية الأئمة والدعاة والخطباء. فالمسجد مكان للعبادة والإصلاح وجمع الناس، وليس منصة لتصفية الحسابات السياسية أو الاجتماعية. فالكلمة التي تصدر من منبر ديني تحمل تأثيراً أكبر من الحديث العابر، ولذلك فإن حرية الخطاب الديني يجب أن تقترن بالمسؤولية.

المطلوب ليس إسكات الدين أو منع النقاش الديني، وإنما منع استخدام المنابر لإهانة الناس أو التحريض ضدهم بسبب مذهبهم أو قبيلتهم أو مهنتهم أو منطقتهم.

وفي المقابل، فإن مواجهة خطاب الكراهية لا تكون بالعنف. فإذا ثبت وجود تحريض أو خطاب عنصري، يجب التعامل معه بالقانون، وليس بالتخريب أو الاعتداء على الناس.

ايضاً ينبغي أن تكن الدولة محايدة تجاه الخلافات الدينية والمذهبية وتدير التنوع بعدالة. فلا ينبغي أن تكون الدولة صوفية أو سلفية أو ممثلة لاتجاه ديني محدد ولا إثنية بعينها، بل دولة لجميع المواطنين. وظيفتها حماية حق الجميع في الاعتقاد والعبادة والتعبير، مع وضع حدود واضحة للتحريض على العنف والكراهية.

فالدولة الديمقراطية يجب أن تفرق بين نقد فكرة دينية وبين التحريض على جماعة دينية، وبين حرية التعبير وبين الدعوة إلى العنف والتمييز.

اليوم، يحتاج السودان إلى إطار قانوني واضح لمكافحة خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض الديني، على أن تكون تعريفاته دقيقة حتى لا تتحول هذه القوانين إلى أدوات لقمع الرأي أو المعارضة السياسية. فالبلاد لا تحتاج إلى أن ينتصر تيار ديني على آخر أو إثنية على أخرى، بل تحتاج إلى أن ينتصر القانون على العنف، والمواطنة على العصبية، والتعايش على التكفير. فإذا ثبت أن شخصاً اعتدى على مسجد، فيجب محاسبته. وإذا ثبت وجود خطاب عنصري أو تحريضي، فيجب محاسبة المسؤول عنه. ولا ينبغي أن تمنح الصفة الدينية أو السياسية أي شخص حصانة من القانون.

أحداث عبري ليست أكبر أزمات السودان، لكنها تحمل درساً مهماً إن وقف الحرب بين البنادق وحده لن يكون كافياً لبناء السلام. فالسودان يحتاج أيضاً إلى إنهاء حروب الخطاب؛ التكفير، والعنصرية، والجهوية، ونزع السودانية عن الآخرين؛ لأن المجتمعات لا تنهار فقط عندما يتقاتل أفرادها، بل تنهار أيضاً عندما يفقد أحد القدرة على قبول الآخر بسبب الاختلاف. لذلك يجب حماية التعايش الاجتماعي قبل أن تتحول الخلافات الصغيرة إلى صراعات أكبر.