الخرطوم – كشف تقييم لمنظمة «كير» الدولية عن حرمان نحو ثمانية ملايين طفل في السودان من أي تعليم داخل الفصول الدراسية، مع تركز أشد فجوات الوصول إلى التعليم في دارفور وكردفان، رغم إعادة فتح آلاف المدارس في مناطق أخرى من البلاد.

وقال التقرير إن إعادة فتح المدارس لا تعني بالضرورة قدرتها على استقبال التلاميذ وتعليمهم، إذ تواجه المؤسسات التعليمية نقصاً في المعلمين والكتب والمقاعد والمياه وخدمات الصرف الصحي، إلى جانب الاكتظاظ والمخاطر الأمنية.

ويغطي التقييم ولايات السودان الثماني عشرة، ويستند إلى مراجعة 72 وثيقة و33 مقابلة مع مسؤولين وممثلين لمنظمات ومعلمين وجهات معنية بالتعليم. وتعتمد أبرز بياناته الكمية على إحصاءات مايو ويونيو 2026، ولا تمثل حصيلة محدثة حتى أكتوبر.

وبحسب البيانات التي استند إليها التقرير، أُعيد فتح 12,243 مدرسة من أصل 19,883 مدرسة، أي نحو 62%، لكن هذه النسبة تخفي تفاوتاً واسعاً بين الولايات.

ففي شمال دارفور، لم تتجاوز نسبة المدارس التي أُعيد فتحها 3%، بواقع 33 مدرسة من أصل 1,118، مقابل 13% في جنوب دارفور و15% في غرب كردفان.

وأدت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي اندلعت في أبريل 2023، إلى تدمير مؤسسات تعليمية ونزوح المعلمين والتلاميذ واستخدام مدارس لإيواء النازحين، بينما تعرضت مدارس المناطق المستقبلة للأسر لضغوط تفوق طاقتها.

غرب كردفان تسجل أعلى نسبة للأطفال خارج المدارس

وسجلت غرب كردفان أعلى نسبة للأطفال في سن الدراسة الموجودين خارج المدارس، عند 88%، بما يعادل نحو 979 ألف طفل، وفق بيانات التقييم.

ولم تسجل قاعدة البيانات التي اعتمد عليها التقرير شركاء تعليميين أو مستفيدين من الاستجابة في الولاية خلال الفترة المرجعية. غير أن التقرير ينبه إلى أن المبادرات المجتمعية والمنظمات العاملة خارج آليات الإبلاغ الخاصة بمجموعة التعليم قد لا تظهر في هذه البيانات.

وفي جنوب دارفور، بلغ عدد الأطفال خارج المدارس نحو 1.09 مليون، بينما سجلت الخرطوم نحو 833 ألف طفل، يمثلون 61.1% من الأطفال في سن الدراسة بالولاية.

وأشار التقييم إلى أن النزوح لا يعطل التعليم فقط في المناطق التي تغادرها الأسر، بل يفاقم الاكتظاظ في مناطق الاستقبال. ونقل عن دراسة منشورة في يونيو 2025 ارتفاع أعداد التلاميذ في بعض فصول محلية عطبرة من 70 إلى 80 قبل الحرب إلى ما بين 150 و180 بعدها.

كما تعرقل خسارة شهادات الميلاد والوثائق والسجلات الدراسية تسجيل الأطفال النازحين في مدارس جديدة، إلى جانب الرسوم وتكاليف النقل والمواد التعليمية.

مدارس مفتوحة بلا أدوات كافية للتعليم

ووجد تقييم سابق في شرق دارفور، استند إليه التقرير، أن 99% من المدارس المشمولة تفتقر إلى مواد مناسبة للتدريس والتعلم، وأن 93% تفتقر إلى حقائب مستلزمات المعلمين.

ولم يحصل سوى 7% من المعلمين في ذلك التقييم على تدريب لتدريس الصفوف الأولى، مقابل 4% تلقوا تدريباً على الدعم النفسي الاجتماعي.

وقال التقرير إن انتظام مستحقات المعلمين يمثل عاملاً حاسماً لاستمرار الدراسة، وإن ضعف الحوافز يدفع بعضهم إلى ترك المهنة، بينما تواجه ولايات عدة نقصاً منفصلاً في الكوادر المؤهلة.

ولفت إلى غياب إحصاء حديث ومكتمل للمعلمين في بيانات مجموعة التعليم عبر الولايات الثماني عشرة، مما يمنع حساب نسبة التلاميذ إلى المعلمين بصورة موثوقة.

ونقل التقييم عن منظمة «إنقاذ الطفولة»، في تحليل صدر في يناير 2026، أن الطفل السوداني فقد في المتوسط قرابة 500 يوم من التعلم، مؤكداً أن تعويض هذا الفاقد يتطلب برامج منظمة للتعليم الاستدراكي، وليس مجرد إعادة التسجيل في المدارس.

الفقر ومخاطر الحماية يعرقلان العودة

وحذر التقرير من أن انهيار سبل العيش وانعدام الأمن الغذائي يزيدان عمالة الأطفال والزواج المبكر، ويضعفان قدرة الأسر على إعادة أبنائها إلى الدراسة.

وتواجه الفتيات عوائق إضافية، تشمل غياب المراحيض المناسبة والمخاوف الأمنية والأعباء المنزلية، فضلاً عن سحبهن من المدارس أولاً في بعض الأسر تحت الضغط المالي، وفق النتائج التي جمعها التقييم.

كما أشار إلى محدودية البيانات المتعلقة بالأطفال ذوي الإعاقة، وضعف وصول الاستجابة التعليمية إلى الأطفال العائدين من النزوح.

وخلص إلى أن المياه والصرف الصحي والتغذية المدرسية والحماية والدعم النفسي عناصر أساسية لاستعادة التعليم، وليست خدمات منفصلة عنه.

فجوة تمويلية تعرقل الاستجابة

وبحسب بيانات مجموعة التعليم لشهر يونيو التي أوردها التقرير، لم يتجاوز تمويل الاستجابة 8.3 مليون دولار من أصل احتياجات تبلغ 64.27 مليون دولار، أي نحو 12.9%، مع فجوة تقارب 56 مليون دولار.

وفي الفترة المرجعية نفسها، وصلت الاستجابة إلى نحو 342 ألف طفل، بما يعادل 3.3% من نحو 10.46 مليون طفل محتاج إلى الدعم التعليمي.

وأوصى التقييم بإعطاء الأولوية لاستمرار المعلمين عبر الحوافز والتدريب، وتأهيل المدارس القائمة، وتوفير المياه والمراحيض، وإنشاء مراكز تعلم مجتمعية وبرامج تعليم مسرّع في المناطق التي انهارت فيها شبكة المدارس.

كما دعا إلى ربط المساعدات النقدية بدعم استمرار الأطفال في التعليم، خصوصاً لدى الأسر الأشد ضعفاً والأسر التي تعيلها نساء، مع التركيز على غرب كردفان وشمال وجنوب وشرق دارفور وشمال كردفان.