الفاشر – السودان الآن | تحقيق ميداني | أميرة أحمد عمر

ليست المأساة فقط أن يولد الأطفال في زمن الحرب، بل أن يولد بعضهم بعيداً عن مؤسسات الدولة، فيجدون أنفسهم بلا وثيقة تثبت تاريخ ومكان ميلادهم، وبلا سجل رسمي يمكن أن يربطهم لاحقاً بحقوقهم في التعليم والصحة والحماية والخدمات العامة.

في إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء على أطراف مدينة الفاشر، جلست السيدة «م. أ»، البالغة من العمر 28 عاماً، وهي تحتضن طفلتها وتفتح كيساً بلاستيكياً صغيراً لا يحتوي سوى قطعة قماش. قالت إن هذا كل ما تبقى من متعلقات طفلتها الثبوتية.

نزحت «م. أ» من حي السلام وهي في شهرها الثامن من الحمل، قبل أن تضع مولودتها «س» بمساعدة قابلة تقليدية داخل فصل دراسي في مركز الإيواء. أكملت الطفلة عامها الأول دون شهادة ميلاد، ودون رقم وطني، بحسب إفادة والدتها.

ولا تبدو حالة الأسرة منفصلة عن ظروف عشرات الأسر النازحة التي تعيش في مراكز الإيواء، حيث أصبح تسجيل المواليد تحدياً إضافياً تفرضه الحرب على عائلات فقدت منازلها ووثائقها ووصولها إلى المؤسسات الحكومية.

أمهات يوثقن المواليد في دفاتر ممزقة

تقول «ف. ح»، البالغة 32 عاماً، إنها أنجبت توأماً قبل نحو 11 شهراً، وإنها عندما ارتفعت حرارة أحد الطفلين توجهت به إلى المستشفى، حيث طُلب منها الرقم الوطني.

وتضيف أنها أخبرت العاملين بعدم امتلاك الطفل رقماً وطنياً، فأُحيلت إلى السجل المدني، لكنها تقول إن المكتب كان مغلقاً منذ فترة طويلة.

أما «ع. ي»، البالغة 19 عاماً، وهي أم للمرة الأولى، فتقول إنها وضعت طفلها أثناء رحلة النزوح من الفاشر إلى طويلة، ولا تتذكر تاريخ ميلاده بدقة، بل تربطه بحدث من حياتها قبل النزوح، قائلة إنه ولد قبل موسم حصاد الدخن بأسبوع.

وتكشف إفادات متطوعين محليين، وفق التحقيق الميداني، عن تقديرات أولية تشير إلى ولادة أكثر من 800 طفل داخل مراكز إيواء الفاشر منذ اندلاع الحرب، مع تقدير أن أكثر من 90% منهم لا يملكون إثباتاً قانونياً للولادة.

ولا تمثل هذه الأرقام إحصاءً رسمياً صادراً عن السجل المدني أو جهة حكومية، وإنما هي تقديرات أولية جمعها متطوعون محليون، بحسب القائمين على التحقيق.

وثيقة صغيرة وحقوق كبيرة

في السودان، لا تقتصر أهمية شهادة الميلاد على إثبات تاريخ ولادة الطفل، إذ يرتبط تسجيل المواليد بإثبات الهوية والوصول إلى عدد من الحقوق والخدمات.

وتشير بيانات اليونيسف الخاصة بنظام تسجيل الأحداث الحيوية في السودان إلى أن تسجيل الولادة إلزامي قانوناً، وأن السلطات المختصة بإجراء التسجيل تشمل إدارة السجل المدني، فيما يمكن للمرفق الصحي أو القابلة أو الأم أو الأب أن يكونوا من المبلّغين عن الولادة. كما يمكن تسجيل الأطفال حتى سن 15 عاماً في مكاتب السجل المدني المحلية.

وتوضح اليونيسف أن شهادة الميلاد تُستخدم في مجالات تشمل إثبات الهوية والمواطنة والتعليم والرعاية الصحية والحماية القانونية من مخاطر مثل الزواج المبكر وعمالة الأطفال والتجنيد المبكر.

وتزداد أهمية الوثيقة في ظروف الحرب والنزوح؛ إذ قالت اليونيسف في حملة لتسجيل المواليد بالسودان إن فقدان وثائق الهوية يمكن أن يحول دون وصول الأطفال إلى التعليم والرعاية الصحية والمساعدات والخدمات الطارئة، كما يمكن أن يزيد مخاطر الاستغلال والاتجار والتبني غير القانوني والزواج المبكر والتجنيد.

الحرب تعطل الوصول إلى السجل

لا تواجه الأسر النازحة في الفاشر مشكلة فقدان الوثائق وحدها، وإنما تصطدم أيضاً بتعطل المؤسسات والخدمات في المناطق المتأثرة بالحرب.

وتشير تقارير حديثة إلى أن الوصول إلى الخدمات الأساسية لا يزال محدوداً في مناطق النزاع بالسودان، خصوصاً في دارفور وكردفان، في وقت تتركز أعداد كبيرة من النازحين في إقليم دارفور. ووفق بيانات نقلتها الحكومة البريطانية عن مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، كان شمال دارفور يستضيف نحو 1.68 مليون نازح داخلي حتى نهاية يونيو 2026.

وفي يناير 2026، أعلن المجلس القومي لرعاية الطفولة مشروعاً للارتقاء بتسجيل المواليد في السودان، بالشراكة مع وزارة الداخلية والإدارة العامة للسجل المدني ووزارة الصحة واليونيسف ومنظمات أخرى، بهدف ضمان تسجيل كل طفل عند الولادة، وتقوية الإطار التشريعي وحوسبة نظام السجل المدني وزيادة الوعي بأهمية تسجيل المواليد.

تفاقم الحرب في دارفور أوضاع الأسر النازحة في الفاشر، وأدى تعطل مؤسسات الدولة والخدمات إلى صعوبات في تسجيل الأطفال الذين يولدون داخل مراكز الإيواء، وترك كثيراً منهم دون وثائق رسمية تثبت ولادتهم.

ويرصد التحقيق، انعكاسات الحرب على حق الأطفال في الهوية والتوثيق، وسط تقديرات محلية بأكثر من 800 طفل وُلدوا في مراكز الإيواء دون إثبات قانوني، ودعوات لإنشاء وحدات سجل مدني متنقلة تصل إلى النازحين.

لكن بالنسبة للأسر التي تعيش في مراكز الإيواء بمناطق الحرب، تبقى المشكلة مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات على الوصول إليها، وليس فقط بوجود النصوص والإجراءات القانونية.

«الخطر الحقيقي في المستقبل»

ترى المحامية «ن. س» من هيئة محامي الطوارئ، وفق إفادتها للتحقيق، أن هناك مسارات قانونية يمكن الاستناد إليها لإثبات واقعة الولادة، لكنها تقول إن انهيار المؤسسات في أجزاء من دارفور وتعطل عمل السجل المدني يعرقلان تطبيق تلك الإجراءات عملياً.

وتشير إلى إمكانية الاعتماد، بحسب الحالة، على إفادة القابلة وشهادة شاهدين وإجراءات إثبات أخرى، لكنها تؤكد أن كثيراً من الأسر النازحة لا تعرف المسارات المتاحة لها لإثبات ولادة أطفالها.

وتحذر من أن المشكلة لا تتوقف عند عدم امتلاك الطفل شهادة ميلاد في الوقت الحالي، بل قد تمتد آثارها إلى مراحل لاحقة من حياته، عندما يحتاج إلى إثبات هويته أو الالتحاق بالتعليم أو الحصول على خدمات صحية أو استكمال إجراءات رسمية.

وتؤكد تجارب برامج تسجيل المواليد التي نفذتها اليونيسف في السودان أن تبسيط الإجراءات والوصول بالخدمة إلى المجتمعات المتضررة يمكن أن يساعد الأسر على تجاوز العقبات التي تفرضها الحرب والنزوح. ففي حملة بالبحر الأحمر استهدفت الأطفال في المجتمعات المضيفة والنازحة واللاجئة، نُقلت خدمات التسجيل إلى أماكن قريبة من السكان، مع فرق مختصة لتقليل الإجراءات والوقت اللازم للتسجيل.

سجل مدني متنقل

يقترح التحقيق إنشاء وحدات سجل مدني متنقلة للطوارئ تعمل داخل مراكز الإيواء في الفاشر والمناطق التي تستقبل النازحين، لتسجيل الولادات وإصدار إفادات مؤقتة تحفظ حق الطفل إلى حين استعادة عمل مكاتب السجل المدني بصورة طبيعية.

كما يمكن للمنظمات الإنسانية والجهات الصحية، بالتنسيق مع السلطات المختصة، مساعدة الأسر على حفظ المعلومات الأساسية للمواليد، بما في ذلك الاسم المقترح، وتاريخ ومكان الولادة، واسم الوالدين، واسم القابلة والشهود، إلى حين استكمال إجراءات التسجيل الرسمية.

ولا يعني ذلك استبدال شهادة الميلاد الرسمية بوثائق غير رسمية، وإنما توفير سجل مؤقت يساعد على منع ضياع المعلومات الأساسية عن الأطفال الذين يولدون في ظروف النزوح والحرب.

للأسر: وثقوا الولادة الآن

في ظل غياب الخدمة الرسمية، يوصي التحقيق الأسر التي تستقبل مولوداً في مناطق النزوح، حيثما أمكن، بتدوين تاريخ الولادة ومكانها واسم القابلة والاحتفاظ بأي إفادة أو مستند متاح، إلى جانب بيانات الشهود الذين يمكنهم تأكيد الواقعة.

وقد لا تكون هذه الأوراق بديلاً عن شهادة الميلاد الرسمية، لكنها قد تساعد في إثبات الواقعة عندما تعود خدمات السجل المدني إلى العمل أو عندما تتاح إجراءات قانونية لتسجيل الولادات المتأخرة.

وتبقى مسؤولية الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية أكبر في الوصول إلى الأطفال الذين لا تستطيع أسرهم الوصول إلى مكاتب الدولة، خصوصاً في مناطق الحرب والنزوح.

فأطفال الفاشر لم يختاروا أن يولدوا وسط الحرب، لكن فقدان الوثيقة التي تثبت وجودهم قد يحول آثار الحرب من مأساة آنية إلى مشكلة قانونية واجتماعية تمتد معهم لسنوات.

وفي النهاية، ليست شهادة الميلاد مجرد ورقة؛ إنها بداية الاعتراف الرسمي بوجود الطفل، ومدخل إلى حقوق وخدمات يحتاجها طوال حياته.

تنويه :

الأسماء الواردة في التحقيق رموز مستعارة حفاظاً على خصوصية الأسر وسلامتها. أما رقم 800 طفل ونسبة أكثر من 90%، فهما تقديران أوليان من متطوعين محليين وفق المادة الميدانية، ولم يتسنَّ التحقق منهما بشكل مستقل عبر سجلات رسمية.