واشنطن : صوت الهامش

نشر موقع (هفنجتون بوست) مقالا للكاتبة والناشطة الحقوقية ريبيكا تنسلي حول معاناة صحافي بريطاني حاول استقصاء مزاعم استخدام النظام السوداني أسلحة كيماوية ضد مدنييه في دارفور.

واستهلت الكاتبة بالقول إن الصحافي “فيل كوكس” منذ لحظة عبوره الحدود من تشاد إلى السودان ثمة مكافأة مرصودة على رأسه؛ وقد انطلق في رحلته الخطرة تلك بناء على تقرير من منظمة العفو حول أكثر من 30 هجوم كيماوي في منطقة جبل مرة بـدارفور، حيث عمد النظام السوداني الإسلامي إلى التطهير العرقي للأقلية غير العربية بتلك المنطقة منذ عام 2003.

ونوهت الكاتبة “تنسلي”، عن أن الصحافي “كوكس” تسلل إلى دارفورا على نحو غير شرعي لمعرفته عدم جدوى طلب الحصول على تأشيرة؛ وعلى طول الطريق تعرض كوكس للغدر، وتم تعبئة آلاف من الجنود السودانيين لمنعه من كشف الحقيقة حول استخدام النظام للأسلحة الكيماوية؛ لقد تم إلقاء القبض عليه على يد ميليشيا قوات الدعم السريع التابعة للنظام، ثم بيع إلى الأجهزة الأمنية السودانية، وتم نقله جوًا إلى العاصمة الخرطوم، وعلى طول الطريق تعرض كوكس لعملية محاكمة وهمية بالإعدام، وما أن وصل الخرطوم حتى سُجِن بدون تهمة وتعرض للضرب وتم استجوابه وتعذيبه مرارًا، فيما تم رفض حصوله على محامين أو وصوله إلى السفارة البريطانية.

ولفتت الكاتبة إلى أن “فيل كوكس” رجل أبيض البشرة؛ بينما منتج أخباره ومترجمه “داود هاري” هو سوادني، ولو أن القصة كانت قصة “هاري” وحده فإن الإعلام لم يكن ليهتم بالموضوع لأن التعذيب والاعتقال بدون توجيه اتهام هو ممارسة اعتيادية في السودان حيث يعتبر ضرب وتخويف الصحفيين المحليين أمرا عاديا في النظاما القمعي في الخرطوم والحاصل على أسوأ تصنيف ممكن من قبل منظمة “دار الحرية” غير الحكومية… وتتعرض آلاف السيدات الصغيرات كل عام للجلد علنا عقابا على التجرؤ والذهاب إلى المدرسة والجامعة، فيما تكون جريمتهم المعلنة هي عدم الاحتشام (ارتداء الجينز أو ظهور سنتيمتر من الكاحل).

وأضافت صاحبة المقال أن كوكس وهو في السجن استمع إلى قصص زملائه المعتقلين والذين تعرض بعضهم للتعذيب والسجن بدن محاكمة لأنهم تجرأوا على محاولة تنظيم مباراة كرة قدم، فيما اعتبرته الحكومة بمثابة مبادرة تهدد قبضتها على السلطة!!

وتابعت “تنسلي” قائلة إن نظام الجبهة الإسلامية القومية (الذي تم تغييره إلى “حزب المؤتمر الوطني”) يُحكم قبضته على السلطة عبر التخويف والعنف وخنق أي صوت حر أو معارض؛ وعلى مدار السنوات الخمس الماضية استهدف هذا النظام الأقليات العرقية غير العربية في ولايات النيل الأزرق وجنوب كردفان …. وفي دارفور، تستمر التصفية العرقية لغير العرب في حالة من الفراغ الإعلامي؛ ولا يتم السماح لصحافيين أو حقوقيين بالدخول دونما قيود، ومن ثم فلا يتم معرفة غير القليل عن المعاناة اليومية لملايين السودانيين غير المرغوبين.

ورأت الكاتبة أن السودان استطاع تنظيف سمعته بنجاح عظيم؛ ففي يناير أسقط الرئيس أوباما عقوبات، فيما أعطى الاتحاد الأوروبي للخروطوم ملايين اليورو لمنع المهاجرين الأفارقة من الوصول للبحر المتوسط، بينما لصقت المملكة المتحدة طابع موافقتها على مهام تجارية محولة عيونها عن البؤس المستمر بسبب عمر البشير، الرئيس الوحيد عالميا المتهم بارتكاب عمليات إبادة جماعية.

ونبهت “تنسلي” إلى أن السلطات السودانية تتهم كوكس بالانتهازية وفبركة القصص الإخبارية كجزء من مؤامرة دولية ضد الجنرالات المظلومين إعلاميا في الخرطوم بسبب سوء الفهم عنهم.

وقالت الكاتبة إنها التقت كوكس بعد أسبوع من إطلاق سراحه والذي يرجع الفضل في جزء كبير منه إلى وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري- البطل المجهول في تلك القصة.

وأكدت “تنسلي” أن الصحافي كوكس هو شخص هادئ ومخلص وخجول وبعيد كل البعد عن صورة الصحافيين العسكريين المتوقعة؛ وقد أراد الذهاب إلى بيته للاطمئنان على ابنه الصغير في لندن، لكنه أراد أيضا الكشف عن حقيقة حالات الموت المؤلمة التي يتجرعها أبناء صغار آخرين في دارفون.

واختتمت الكاتب متسائلة “ماذا عن الهجمات بالأسلحة الكيماوية التي أراد “كوكس” و”هاري” استقصاءها؟ لقد انتخبت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية مؤخرا ممثلا للنظام السوداني كنائب لرئيسها، كيف سيمكنها إجراء استقصاء نزيه؟ وهل يتخذ الرئيس ترامب إجراء عمليا ضد السودان، على غرار ما فعل إزاء سوريا، على نفس الجريمة؟ بدون “بشرة بيضاء في اللعبة”، من غير المحتمل”.