بورتسودان – دعا نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق مالك عقار إير، إلى تبني مقاربة إقليمية تربط بين الأمن والتنمية، وتعزيز التعاون بين السودان ودول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مؤكداً أن استقرار السودان يرتبط بأمن المنطقة وازدهارها.
وقال عقار، في كلمة ألقاها خلال افتتاح منتدى بورتسودان للأمن والتنمية 2026 بمدينة بورتسودان، إن التحديات التي تواجه المنطقة تتطلب الانتقال من تشخيص الأزمات إلى وضع حلول عملية، وبناء شراكات تستند إلى المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول.
وأشار إلى أن مفهوم الأمن لم يعد مقتصراً على حماية الحدود ومواجهة التهديدات العسكرية، بل يشمل الأمن السياسي والاقتصادي والغذائي والمائي والبحري والرقمي والبيئي، فضلاً عن بناء المؤسسات وتحقيق العدالة وتوفير فرص العمل.
وأضاف أن الأمن المستدام لا يتحقق في ظل الفقر والتهميش وانعدام الفرص، كما أن التنمية لا يمكن أن تنطلق في بيئة تتنازعها الحروب والصراعات، مشدداً على أن الأمن والتنمية يعزز كل منهما الآخر.
السلام وإعادة إعمار السودان
وفيما يتعلق بالأوضاع في السودان، قال عقار إن البلاد تواجه تحديات استثنائية بسبب الحرب وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك الخسائر البشرية وتضرر البنية التحتية وتعطل المؤسسات والخدمات واتساع الاحتياجات الإنسانية.
ودعا إلى تضافر الجهود الوطنية والإقليمية والدولية لوقف الحرب وتحقيق السلام وحماية المدنيين وتيسير وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب تهيئة الظروف اللازمة لعودة النازحين واللاجئين طوعاً وبأمان وكرامة.
وأكد أن السلام المنشود ينبغي ألا يقتصر على وقف القتال، بل أن يعالج جذور النزاعات، ويعزز التماسك الاجتماعي ومؤسسات الدولة، ويوسع المشاركة في الحياة العامة، ويحقق التنمية المتوازنة بما يمنع تكرار الحروب.
ووصف إعادة إعمار السودان بأنها مشروع وطني شامل يتجاوز إعادة تشييد المباني والطرق والمنشآت، ليشمل إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات، وتأهيل القطاعات الإنتاجية، واستعادة الثقة، وتحسين الخدمات، وفتح فرص جديدة أمام الشباب والمرأة والقطاع الخاص.
وأشار إلى أن السودان يمتلك مقومات للنهوض الاقتصادي، تشمل الأراضي الزراعية والموارد المائية والثروات المعدنية وإمكانات الطاقة والثروة الحيوانية، إلى جانب موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، داعياً إلى تحويل هذه الإمكانات إلى مشروعات إنتاجية واستثمارات مستدامة تدعم الأمن الغذائي وتوفر فرص العمل وتنويع مصادر الدخل.
تحذير من تحويل البحر الأحمر إلى ساحة للصراع
وفي الشأن الإقليمي، حذر عقار من أن الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، بوصفها مناطق محورية للتجارة الدولية والطاقة وسلاسل الإمداد، تقترن بتحديات تشمل النزاعات المسلحة والتنافس على النفوذ والموانئ والممرات البحرية والقرصنة والجريمة المنظمة والإرهاب.
وشدد على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعزيز التشاور والتنسيق بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر ودول القرن الأفريقي، وتطوير التعاون في حماية الملاحة وتأمين التجارة وتبادل المعلومات والخبرات وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
وقال إن أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة تقوم على احترام سيادة الدول ومصالحها المشروعة والالتزام بالقانون الدولي، محذراً من تحول المنطقة إلى ساحة للصراعات بالوكالة وزيادة التوترات الإقليمية والدولية.
واعتبر أن بورتسودان مؤهلة للاضطلاع بدور في استضافة الحوارات الاستراتيجية وتقريب وجهات النظر بين الحكومات ومراكز الفكر والمؤسسات الاقتصادية، بما يساعد على بلورة رؤية مشتركة لمستقبل البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
تعزيز التعاون مع الصين وأفريقيا
وفي محور العلاقات الدولية، دعا عقار إلى تطوير الشراكة السودانية الصينية وتوسيع التعاون الاقتصادي والتنموي، إلى جانب تعزيز العلاقات مع الدول العربية والأفريقية والشركاء الدوليين، بما يدعم جهود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
وأوضح أن مجالات التعاون الممكنة تشمل الزراعة والأمن الغذائي والطاقة والتعدين والصناعة والنقل والموانئ والسكك الحديدية والاتصالات والتكنولوجيا، مشيراً إلى أهمية الاستفادة من مبادرة الحزام والطريق وغيرها من أطر التعاون الاقتصادي الدولي.
وأكد أن نجاح الشراكات التنموية لا يُقاس بحجم الاستثمارات المعلنة وحده، بل بقدرتها على خلق قيمة اقتصادية حقيقية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وبناء القدرات الوطنية، وتوفير فرص العمل وتحسين حياة المواطنين، مع مراعاة الاستدامة الاقتصادية والبيئية.
كما دعا إلى توسيع التعاون الصيني الأفريقي ليشمل التعليم والبحث العلمي والتدريب والتحول الرقمي والابتكار والتبادل الثقافي، بما يعزز قدرات الدول الأفريقية على بناء اقتصادات منتجة ومؤسسات أكثر كفاءة.
دعوة إلى إعلان بورتسودان للأمن والتنمية
وشدد عقار على أهمية تعزيز التكامل الإقليمي في مجالات التجارة والنقل والطاقة والزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والخدمات اللوجستية، مع إعطاء الأولوية للأمن الغذائي والمائي والاقتصاد الأزرق والطاقة المتجددة والتحول الرقمي.
ودعا إلى تعزيز دور الجامعات ومراكز الدراسات والمؤسسات البحثية في دعم صناعة القرار بالبيانات الموثوقة والتحليل العلمي، مقترحاً تطوير منتدى بورتسودان للأمن والتنمية إلى منصة معرفية مستدامة تعمل على مدار العام، وتصدر تقارير استراتيجية وأوراق سياسات، وتبني شبكات للتعاون البحثي.
كما طرح فكرة إنشاء مرصد استراتيجي للبحر الأحمر والقرن الأفريقي لمتابعة التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية والبيئية، وتقديم تحليلات وتوصيات قابلة للتنفيذ.
ودعا نائب رئيس مجلس السيادة إلى تحويل توصيات المنتدى إلى برامج ومشروعات محددة، تتضمن آليات للمتابعة والتقييم ومؤشرات لقياس النتائج، معرباً عن أمله في أن تتوج أعماله بإعلان بورتسودان للأمن والتنمية، يتضمن مبادئ للتعاون الإقليمي وأولويات للشراكات التنموية وخارطة طريق قابلة للتطوير والمتابعة.
وأكد أن مستقبل السودان والمنطقة لا يتحدد بالموقع الجغرافي أو حجم الموارد الطبيعية وحدهما، بل بقدرة الدول على تحويل الموارد إلى إنتاج، والتنوع إلى مصدر قوة، والتحديات إلى فرص للإصلاح والتعاون.
ويُعقد منتدى بورتسودان للأمن والتنمية 2026 بمشاركة مسؤولين ودبلوماسيين وممثلين عن منظمات إقليمية ودولية وخبراء وباحثين وأكاديميين وممثلين للقطاع الخاص والمجتمع المدني، ويناقش قضايا الأمن والسلام والتنمية والتعاون الإقليمي والعلاقات الصينية الأفريقية.