نيويورك – حذر المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى القرن الأفريقي، غوانغ كونغ، من امتداد الحرب في السودان بصورة أوسع إلى منطقة أبيي، داعياً إلى تحقيق مستقل في هجوم بطائرات مسيّرة استهدف سوق أمِيت، وإلى حماية الحوار بين الخرطوم وجوبا بشأن الوضع النهائي للمنطقة.
وقال كونغ، في إحاطة أمام مجلس الأمن يوم 5 نوفمبر بشأن تنفيذ القرار 2046، إن هجوم 19 أكتوبر على السوق كان من بين أكثر الحوادث دموية في تاريخ أبيي، مطالباً بتحقيق سريع ومستقل لتحديد الوقائع ومحاسبة المسؤولين.
وأدان المبعوث الهجوم، مقدماً التعازي لأسر القتلى، وأشاد بسرعة انتشار قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي «يونيسفا» واتخاذها تدابير فورية عقب الحادث.
وشدد على ضرورة التزام حكومتي السودان وجنوب السودان بوضع أبيي منطقة منزوعة السلاح، ومنع وقوع مزيد من الهجمات واحترام القانون الدولي الإنساني. ولم يحدد في إحاطته الجهة المسؤولة عن هجوم السوق.
خلافات انتخابية وتوترات مجتمعية
قال كونغ إن الخلاف بشأن إعلان مشاركة أبيي في انتخابات جنوب السودان المقبلة أسهم في زيادة التوتر بين مجتمعي دينكا نقوك ودينكا تويج، إلى جانب انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية عبر المنصات الإلكترونية.
وأضاف أن تقارير عن تعبئة مجموعات مسلحة بالوكالة واحتمال انتقال انعدام الأمن عبر الحدود زادت من حدة التوترات.
وأوضح أن جهود بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان وقوة «يونيسفا» ومكتبه، بالتنسيق مع حكومة جنوب السودان وأطراف وطنية ومحلية، ساعدت في منع مزيد من التدهور، لكن الأسباب الأساسية للخلاف لم تُحل، وما زال خطر تجدد العنف مرتفعاً.
ودعا حكومة جنوب السودان إلى إعطاء الأولوية للتماسك الاجتماعي ومنع العنف بين المجتمعات أثناء معالجة القضايا الانتخابية.
وأشار أيضاً إلى اشتباكات شملت مجموعات من المسيرية والنوبة ودينكا نقوك في سوق أمِيت ومحيطه خلال سبتمبر، قائلاً إنها أعاقت جهود الاستقرار.
وحذر من أن تحركات قوات الدعم السريع وقوات دفاع شعب جنوب السودان وعناصر مسلحة أخرى داخل منطقة أبيي تهدد جهود قوة «يونيسفا» والإدارة المحلية والقيادات الأهلية للحفاظ على وضع المنطقة منزوع السلاح.
الحوار بين الخرطوم وجوبا
قال المبعوث الأممي إن حماية الحوار الثنائي الذي استؤنف أخيراً بين السودان وجنوب السودان من تداعيات الحرب والضغوط السياسية تمثل تحدياً رئيسياً، مؤكداً أنه ضروري للحفاظ على الاستقرار والتوصل إلى تسوية للوضع النهائي لأبيي.
ورحب باستئناف اجتماع الآلية السياسية والأمنية المشتركة في جوبا خلال أغسطس، بعد توقف منذ 2023، لكنه أوضح أن الاجتماع التالي، الذي كان مقرراً في 20 أكتوبر، أُرجئ إلى الفترة من 8 إلى 10 نوفمبر.
وفي المقابل، قال إن التقدم في الترتيبات السياسية والمؤسسية الأوسع ظل محدوداً، مشيراً إلى توقف اللجنة الإشرافية المشتركة لأبيي عن العمل منذ 2017، رغم إبداء الخرطوم وجوبا استعدادهما للانخراط في إعادة تنشيط اجتماعاتها.
وأضاف أن تعيين قوات الدعم السريع رئيساً مشاركاً للجنة بصورة موازية في أغسطس يقع خارج إطار الاتفاقيات الموقعة والآليات اللاحقة بين البلدين.
ورحب بتفعيل اللجنة السودانية العليا المعنية بالوضع النهائي لأبيي، داعياً البلدين وشركاءهما إلى تسهيل عمل لجنتيهما العليا واستئناف اجتماعات الآليات المشتركة.
وتظل تسوية الوضع النهائي لأبيي من أبرز القضايا العالقة بين السودان وجنوب السودان منذ انفصال الجنوب، رغم الترتيبات المنصوص عليها في بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005.
وقال كونغ إن العملية تعثرت بفعل غياب الإرادة السياسية، والأوضاع الداخلية في البلدين، وتوقف مسار الاستفتاء، واختلاف المواقف بشأن الإدارة والشرطة المشتركتين.
القتال يفاقم الأزمة في كردفان والنيل الأزرق
حذر المبعوث من تفاقم أثر الحرب على المدنيين في جنوب كردفان والنيل الأزرق، مشيراً إلى أن منطقة كردفان الكبرى أصبحت مركزاً للقتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وفي جنوب كردفان، قال إن استمرار الضغط حول كادقلي والدلنج وفتح جبهات شرقية أعاق وصول السلع الأساسية، بينما أدى تدمير جسرين على الطريق بين المدينتين إلى تقييد حركة المدنيين والمساعدات.
وفي النيل الأزرق، أشار إلى تصاعد القتال حول الكرمك وقيسان وباو، وسط تغير السيطرة على مناطق واشتباكات بين أطراف الحرب.
وقال إن التصعيد المتزامن في المنطقتين يعكس صراعاً للسيطرة على الأراضي والمناطق الحدودية وخطوط الإمداد، محذراً من احتمال اتساع العمليات، خصوصاً في الجبهات الشرقية لجنوب كردفان والمنطقة الحدودية بمحافظة الكرمك.
وأوردت الإحاطة أن نحو 99,277 شخصاً نزحوا في النيل الأزرق بين يناير وسبتمبر 2026، وأن نحو 308 آلاف شخص نزحوا في ولايات كردفان منذ أكتوبر 2025، وفق الأرقام التي استعرضها المبعوث.
وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد نشرت تقديراً لاحقاً بنزوح نحو 119,782 شخصاً في النيل الأزرق بين 11 يناير و15 أكتوبر، موضحة أن الزيادة تعكس نزوحاً جديداً وتوسّع نطاق جمع البيانات.
وشدد كونغ على أن تسوية قضايا جنوب كردفان والنيل الأزرق ترتبط بتسوية سياسية وطنية تعالج اختلالات السلطة وعلاقة المركز بالأقاليم وتوزيع الموارد.
النفط والاحتياجات الإنسانية
قال المبعوث إن الترتيبات الأمنية الثلاثية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وقوات دفاع شعب جنوب السودان بشأن منشآت نفط هجليج لا تزال قائمة.
لكنه أشار إلى أن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت في سبتمبر خط أنابيب بجنوب كردفان ينقل نفط جنوب السودان، أظهرت هشاشة البنية النفطية في ظل الحرب.
وفي أبيي، قال إن أكثر من 50 ألفاً من العائدين إلى جنوب السودان واللاجئين السودانيين وطالبي اللجوء الآخرين عبروا إلى جنوب السودان من خلال المنطقة.
وأضاف أن الهجمات على المدنيين عطلت سبل العيش، فيما فاقم نقص الغذاء وتأثيرات ظاهرة النينيو هشاشة المجتمعات المحلية. ورغم تقديم شركاء إنسانيين مساعدات صحية وغذائية ودعماً للمأوى وسبل العيش، فإن نقص التمويل يحد من قدرتهم على الاستجابة.
ودعا كونغ إلى مضاعفة الجهود الدبلوماسية لحماية أبيي من الانجرار إلى الحرب، مؤكداً استمراره في دعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام إلى السودان، بيكا هافيستو، لوقف الأعمال العدائية وتهيئة مسار انتقال سياسي.