الخرطوم – خلص مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل إلى أن عدداً قليلاً من المدنيين بقي في الفاشر أو عاد إليها بعد عام من سيطرة قوات الدعم السريع على عاصمة شمال دارفور، مشيراً إلى غياب الحركة الظاهرة في معظم الأسواق والمرافق الصحية التي شملها تحليله.
وقال المختبر، في تقرير صدر في 28 أكتوبر، إن صور الأقمار الاصطناعية لم تُظهر نشاطاً ملحوظاً للأشخاص والمركبات في أي من المرافق الصحية التسعة عشر التي فحصها، كما لم يرصد حركة ظاهرة في ثمانية من تسعة أسواق رئيسية.
واستند الباحثون إلى صور أقمار اصطناعية عالية الدقة وبيانات الغطاء النباتي ومصادر مفتوحة، وخلصوا إلى أن مؤشرات النشاط في المدينة تراجعت بصورة حادة بعد الحصار وعمليات القتل والنزوح.
وأشار التقرير إلى أن تحليل الصور لا يتيح إحصاء السكان أو رصد جميع الأنشطة والانتهاكات، وأن النتائج تتأثر بتوافر الصور ودقتها وتوقيت التقاطها.
وسيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025، بعد حصار طويل ومعارك مع الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه. وقدّرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل أكثر من ستة آلاف شخص بين 25 و27 أكتوبر، داخل المدينة وعلى طرق الفرار منها.
سوق واحد تظهر فيه حركة
قال مختبر ييل إن سوق الدرجة الأولى المركزي كان السوق الوحيد من الأسواق التسعة الذي ظهرت فيه حركة متسقة مع وجود أشخاص ومركبات. وأضاف أن النشاط المرصود فيه ازداد بعد سيطرة الدعم السريع على المدينة.
أما الأسواق الثمانية الأخرى، فلم تظهر فيها حركة للأشخاص أو المركبات أو العربات والحيوانات في الصور التي حللها المختبر حتى 29 سبتمبر 2026. ورصد الباحثون نمو النباتات وتضرر مبانٍ أو إزالة أسقفها في عدد منها.
وأشار التقرير إلى أن حي الدرجة الأولى كان آخر ملاذ للمدنيين داخل الفاشر قبل سقوطها، وأن السوق يقع في المنطقة التي يتركز فيها النشاط المرصود، وتبلغ مساحتها نحو خمسة كيلومترات مربعة.
وقدّر التقرير عدد سكان منطقة الفاشر الحضرية ومخيمات أبو شوك والسلام وزمزم قبل الحصار بما يتراوح بين مليون ومليوني شخص، مع الإشارة إلى عدم وجود تقدير دقيق للسكان في تلك الفترة.
نباتات تغطي أجزاء من المدينة
قارن الباحثون بيانات الغطاء النباتي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 ببيانات الفترة نفسها في أعوام 2019 إلى 2023، وسجلوا زيادة بنسبة 9.02% في مؤشر الغطاء النباتي على مستوى المدينة.
وبلغت الزيادة 13.38% في جنوب شرق الفاشر و10.64% في مخيم أبو شوك، مقابل 2.72% في حي الدرجة الأولى.
وقال المختبر إن النمو غير المعتاد للنباتات يدعم استنتاجه بشأن تراجع حركة الأشخاص والحيوانات والمركبات، التي تحدّ عادةً من نموها في المناطق المأهولة.
وتقيس هذه النسب التغير في مؤشر الغطاء النباتي خلال الفترات التي حللها الباحثون، ولا تمثل إحصاءً لعدد السكان أو نسبة انخفاضهم.
المستشفيات وآثار الحرق والدفن
قال التقرير إن الصور لم تُظهر مؤشرات على حركة كبيرة للأشخاص والمركبات في المرافق الصحية التسعة عشر حتى 29 سبتمبر. وشملت المؤشرات التي بحث عنها وجود حشود أو سيارات إسعاف ومركبات مدنية أو أعمال إصلاح وتوسعة.
ورصد المختبر أضراراً في 18 من تلك المرافق خلال الحصار وبعد سيطرة الدعم السريع على المدينة. وغياب الحركة الظاهرة في الصور لا يثبت بمفرده توقف كل نشاط صحي داخل المباني.
كما رصد حفر حرق في خمسة مرافق صحية، وظهرت في بعض المواقع أجسام قال المختبر إنها تتسق مع بقايا بشرية. وأوضح أنه لم يتمكن من تأكيد طبيعة المواد المحروقة في جميع المواقع.
وأشار إلى نشاط يتسق مع عمليات دفن في مواقع قرب مستشفيات، مع تأكيده أن صور الأقمار الاصطناعية لا تسمح بتحديد طبيعة المواد المدفونة في كل المواضع.
وفي المستشفى الجنوبي، حدد المختبر أثراً لإصابة بذخيرة ظهر في صور التُقطت بين 9 و14 يوليو 2026، وقال إنه يواصل التحقيق بشأنها.
واتهم التقرير قوات الدعم السريع بمهاجمة وقتل أطباء وممرضين ومرضى وأفراد من أسرهم في المستشفى السعودي بعد السيطرة على المدينة. كما أشار إلى إفادات ناجين بشأن احتجاز أشخاص وتعذيب بعضهم وقتلهم، وإجبار آخرين على أعمال شملت جمع الجثث.
تقديرات المفقودين والقتلى
أشار مختبر ييل إلى أنه قدّر، في يناير 2026، وجود ما لا يقل عن 70 ألف شخص في عداد المفقودين خلال الشهرين الأولين بعد سيطرة الدعم السريع على المدينة.
وقال المختبر إن عشرات الآلاف ربما قُتلوا خلال حملة القتل الجماعي، وهو تقدير يختلف عن حصيلة مفوضية الأمم المتحدة للأيام الثلاثة المحددة. ولا يعني تقدير المفقودين أنهم جميعاً قُتلوا.
وكانت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان قد خلصت إلى أن حملة الدعم السريع في الفاشر تحمل «مؤشرات على حدوث إبادة جماعية».
حواجز عند مداخل الفاشر
رصد التقرير تعزيز إجراءات التحكم بالحركة عند المعابر الأربعة المتبقية عبر الساتر الترابي المحيط بالفاشر، أو إغلاق بعضها، وفق الصور المتاحة حتى 29 سبتمبر.
وقال إن حواجز ترابية أُضيفت إلى أحد المعابر في شرق المدينة، بحيث تُجبر المركبات على المرور عبر مسار متعرج بطول نحو 480 متراً. كما رُصدت تعزيزات عند معابر أخرى.
وبحسب المختبر، بدأ الدعم السريع إنشاء الساتر في 2025، وامتد في نهاية المطاف إلى نحو 75 كيلومتراً حول المدينة. واتهم التقرير القوات باستخدام نقاط العبور لتقييد دخول الغذاء والبضائع ومنع مدنيين من المغادرة خلال الحصار.
وأشار التقرير كذلك إلى أبحاث سابقة للمختبر قال إنها وثقت دعماً خارجياً من الإمارات لقوات الدعم السريع.
ودعا مختبر ييل إلى السماح للمنظمات الإنسانية بالوصول دون عوائق لتقييم أوضاع السكان وتقديم المساعدات، وإتاحة وصول المحكمة الجنائية الدولية والجهات الحقوقية لجمع الأدلة المتعلقة بالانتهاكات المزعومة.