كتب / عبد الهادي عبدالله
لم يكن الحكم الصادر بحق الزميلة الصحفية رشان أوشي بالسجن لمدة عام مع غرامة مالية قدرها عشرة ملايين جنيه سوداني مجرد واقعة قانونية عابرة، بل جرس إنذار جديد يكشف حجم الأزمة التي تعيشها ”حرية الصحافة“ في السودان.
القضية في ظاهرها ترتبط بمقال نشرته رشان أوشي عبر حسابها الشخصي على موقع فيسبوك تحت عنوان ”السمسار رقم (2)“، وجهت فيه اتهامات تتعلق بالفساد المالي ضد ضابط برتبة مقدم يعمل بإحدى سفارات السودان في الخارج. لكن ما يثير الانتباه حقاً ليس مضمون الاتهامات وحده، وإنما الكيفية التي تحرك بها الملف منذ لحظة البلاغ وحتى صدور الحكم.
بحسب ما ظهر من تسلسل الإجراءات، فإن القضية انتقلت من مرحلة التحري إلى منصة القضاء بسرعة لافتة للنظر، وهي سرعة تثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت المحاكمة قد أخذت وقتها الطبيعي الكافي من الفحص والتدقيق والتمحيص القانوني. فالعدالة لا تُقاس بسرعة إصدار الأحكام، بل بمدى اكتمال ضمانات التقاضي السليم.
وتزداد علامات الاستفهام حول هذه القضية حين نضع في الاعتبار أن اسم الأمين العام لـ ”مجلس السيادة الانتقالي“ ورد ضمن شبهات الفساد التي تناولها مقال رشان أوشي. وهنا يبرز سؤال مشروع لا يمكن القفز فوقه هل ثمة صلة مباشرة أو غير مباشرة بين موقع الرجل داخل هرم السلطة وبين السرعة اللافتة التي تحركت بها إجراءات البلاغ حتى صدور الحكم ؟
لا أحد يملك، حتى اللحظة، دليلاً قاطعاً يثبت وجود تأثير مباشر على قرار المحكمة، كما أن الأصل في القضاء الاستقلال والنزاهة. لكن العدالة لا تقوم فقط على سلامة الإجراءات، بل أيضاً على قدرتها على طمأنة الرأي العام بأنها بعيدة عن أي شبهة تأثير سياسي أو إداري.
وحين تتسارع محاكمة صحفية نشرت مادة تتعلق بشبهات فساد تمس شخصية رفيعة في الدولة، فإن مجرد غياب الشفافية الكاملة حول ملابسات هذه السرعة يفتح الباب واسعاً أمام الشكوك، ويضع المؤسسة القضائية نفسها في موضع التساؤل.
القضاء المستقل لا يكتفي بأن يكون عادلاً، بل يجب أن يبدو كذلك أيضاً.
وفي السودان، حيث تداخلت السلطة التنفيذية والسياسية طويلاً مع مؤسسات العدالة، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل، ومن واجب القضاء أن يجيب بالفعل والإجراءات الواضحة لا بالصمت.
ولهذا فإن القضية لم تعد تخص رشان أوشي وحدها، ولا حتى حرية الصحافة فقط؛ بل أصبحت اختباراً مباشراً لمدى استقلال العدالة السودانية نفسها هل نحن أمام محاكمة قانونية خالصة، أم أمام رسالة سياسية مغلفة بإجراءات قضائية ؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، والذي لن يبدده إلا قدر أكبر من الشفافية والوضوح.
الأخطر من ذلك أن جوهر القضية، كما بدأ من مجريات المحكمة، انصبّ على مطالبة الصحفية بالكشف عن مصدر أو مصادر معلوماتها، وكأن المسألة تحولت من فحص الاتهامات نفسها إلى ملاحقة من كشفها.
وهنا يبرز السؤال الجوهري هل ينبغي للصحفي أن يكشف عن مصادره ؟ الإجابة المهنية والأخلاقية، وفق كل المواثيق الصحفية الدولية، هي : (لا).
حماية المصادر ليست خياراً شخصياً للصحفي أو الصحفية، بل هي جوهر العمل الاستقصائي نفسه. فلا صحافة تحقق في ملفات الفساد بلا مصادر تثق في الحماية، ولا مصادر ستجازف بكشف التجاوزات إذا كانت تعلم أن القضاء سيجبر الصحفي لاحقاً على تسليم أسمائها.
في الأنظمة التي تحترم حرية الصحافة، يتمتع الصحفي بما يعرف بـ ”امتياز المصدر“، وهو حماية قانونية تتيح له رفض الكشف عن هوية من زوده بالمعلومات، إلا في ظروف استثنائية بالغة الضيق تتعلق بتهديد مباشر وخطير لـ ”لأمن أو الأرواح“، وليس في قضايا تتعلق بكشف فساد ذي مصلحة عامة.
أما في السودان، فإن المشهد يبدو أكثر قتامة. لقد تحول قانون جرائم المعلوماتية، الذي يفترض أن يكون أداة لمكافحة الجريمة الإلكترونية، إلى سيف مصلت على رقاب الصحفيين. وبدلاً من أن يُستخدم لحماية المجتمع من الابتزاز والتزييف الرقمي، صار وسيلة جاهزة لتقييد النشر وملاحقة الأصوات المزعجة.
هذه ليست أزمة قانون فحسب، بل أزمة دولة. فحين تنتشر شبكات الفساد داخل المؤسسات، تصبح ”الصحافة الاستقصائية“ خصماً مباشرًا لمراكز النفوذ، وحين يعجز المتضررون عن دحض الوقائع، يصبح أسهل طريق هو تجريم من كشفها.
وهنا تتجلى المفارقة السودانية المؤلمة، القانون الذي يفترض أن يحمي المجتمع من الفساد، يُستخدم لحماية الفساد من المجتمع.
التضامن مع رشان أوشي اليوم ليس موقفاً عاطفياً مع زميلة مهنية، بل دفاع عن آخر ما تبقى من فكرة الصحافة الحرة في السودان.
فإذا أُجبر الصحفي على كشف مصدره، فلن يصمت مصدر واحد فقط، بل ستصمت عشرات الملفات، وستُدفن مئات الوقائع، وسيتعلم الجميع أن الحقيقة في السودان ثمنها باهظ.
إن هذه القضية ليست محاكمة لرشان أوشي وحدها، بل محاكمة لمستقبل الصحافة السودانية نفسها.
فإما أن تحمي الدولة الصحافة بالقانون، أو تواصل خنقها بقوانين يفصلها الفاسدون على مقاس خوفهم من الحقيقة.