كتب / عبد الهادي عبد الله

أعاد الهجوم الذي نفذه الجيش المصري على معدّنين سودانيين في منطقة شمال الوادي على الحدود ”السودانية – لمصرية“، وأسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، طرح أسئلة مؤلمة بشأن قيمة حياة المواطن السوداني، ومسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها والدفاع عن حقوقهم، بعيداً عن حسابات السياسة والعلاقات الثنائية.

ومهما كانت المبررات التي قد تسوقها السلطات المصرية، فإن التعامل مع مدنيين خرجوا بحثاً عن الذهب لا ينبغي أن ينتهي بقصفهم بالطائرات الحربية. وإذا كان المعدّنون قد تجاوزوا الحدود أو خالفوا القوانين المصرية، فإن هناك إجراءات أمنية وقانونية يمكن اتخاذها دون اللجوء إلى القوة المميتة. فحماية الحدود لا تعني إهدار الحق في الحياة، ومخالفة القانون لا تجعل المدنيين أهدافاً مشروعة للقتل.

ولا يمكن فصل هذه المأساة عن الأوضاع الاقتصادية التي دفعت آلاف السودانيين إلى التعدين التقليدي بحثاً عن لقمة العيش. فالأزمة الاقتصادية التي سبقت الحرب، ثم الدمار والنزوح وفقدان مصادر الدخل منذ اندلاعها في أبريل 2023، ضيّقت خيارات الحياة أمام المواطنين، وجعلت البحث عن الذهب وسيلة اضطرارية لتأمين احتياجات أسرهم.

لكن الفقر لا ينبغي أن يتحول إلى حكم بالموت، كما لا يجوز أن يصبح ضعف الدولة السودانية مبرراً لاستباحة حياة مواطنيها أو الانتقاص من كرامتهم.

رغم ثبوت سقوط قتلى وجرحى في الهجوم، لا تزال الحصيلة النهائية غير واضحة. فقد تحدثت إحصائية أولية نشرها ناشطون عن مقتل 53 شخصاً، بينما أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل 13 معدّناً وإصابة أكثر من 20 آخرين.

ويصعب التحقق من الأرقام في ظل ظروف المنطقة وغياب جسم مستقل يمثل المعدّنين ويتولى حصر الضحايا ومتابعة المصابين والمفقودين. وهذا الغياب لا يعقّد معرفة حجم المأساة فحسب، بل يكشف أيضاً عن فراغ مؤسسي يستدعي معالجة عاجلة.

وتتحمل الحكومة السودانية مسؤولية التحرك لتحديد الحصيلة الفعلية، والبحث عن المفقودين، وتوفير الرعاية الطبية للجرحى، والتواصل مع أسر الضحايا. كما أن عليها مطالبة الحكومة المصرية بتوضيح ملابسات الهجوم، وفتح تحقيق جاد، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها نتائجه، وضمان تعويض المتضررين وفقاً للمسؤولية القانونية.

إن غياب موقف رسمي واضح من الحكومتين، وفق المعلومات المتاحة، يضاعف معاناة الأسر ويترك المجال للتضارب والتكهنات. ولا يجوز أن تمر الحادثة دون مساءلة، خصوصاً مع الإشارة إلى وقوع حوادث سابقة استهدفت معدّنين سودانيين، الأمر الذي يستدعي توثيقها والتحقق من ملابساتها لمنع تكرارها.

إن العلاقات التاريخية بين السودان ومصر لا ينبغي أن تكون ذريعة للصمت عن مقتل مواطنين سودانيين، كما أن المطالبة بالعدالة لا تعني استهداف الشعب المصري أو الدعوة إلى التصعيد معه. بل إن العلاقات السليمة بين الدول تقوم على احترام حياة المواطنين، والشفافية، وتحمل المسؤولية عند وقوع الانتهاكات.

وإذا كانت السلطات المصرية تتمسك باعتبارات أمن الحدود، فعليها توضيح ما حدث، والكشف عن الأساس الذي استندت إليه العملية العسكرية. وفي المقابل، يجب على الحكومة السودانية ألا تكتفي بالصمت أو التعازي، بل أن تتحرك دبلوماسياً وقانونياً لحماية حقوق الضحايا وأسرهم.

كما تكشف الحادثة عن ضرورة معالجة الأسباب الاقتصادية التي تدفع السودانيين إلى المخاطرة بحياتهم في مناطق التعدين، إلى جانب إنشاء آلية لتوثيق أوضاع المعدّنين وحصر ضحايا الحوادث التي يتعرضون لها.

إن الدم السوداني ليس رخيصاً، وكرامة المواطن ليست مسألة ثانوية في حسابات السياسة. وأسر الضحايا لا تحتاج إلى التعازي وحدها، بل إلى معرفة الحقيقة، والوصول إلى المفقودين، وعلاج الجرحى، وإنصاف المتضررين.

يجب اجراء تحقيق يكشف ملابسات الهجوم، وتحرك سوداني رسمي يطالب بالمحاسبة والتعويض، وإجراءات تمنع تكرار المأساة. فلا يجوز أن تتحول دماء المعدّنين إلى خبر عابر، ثم تُترك أسرهم لمواجهة الفاجعة وحدها.