نيويورك – السودان الآن

شهد مجلس الأمن الدولي، الاثنين 24 أغسطس 2026، جلسة إحاطة ومناقشة مفتوحة بشأن السودان، وسط تصاعد العمليات العسكرية والهجمات بالطائرات المسيّرة وتفاقم الأوضاع الإنسانية، في وقت طرحت فيه الولايات المتحدة مقترحاً لتوسيع حظر توريد الأسلحة المفروض على السودان ليشمل كامل الأراضي السودانية، بدلاً من اقتصاره على إقليم دارفور.

ولم تشهد الجلسة تصويتاً على أي مشروع قرار، كما لم يصدر عنها قرار بفرض عقوبات أو إجراءات تنفيذية جديدة، بما في ذلك حظر جوي على السودان. وشهدت المداخلات تبايناً واضحاً بين الدول الأعضاء بشأن توسيع العقوبات وحظر السلاح، إلى جانب خلافات حول توصيف أطراف الحرب ومسؤولية كل منها عن الانتهاكات.

إعلان

السودان يرفض توسيع حظر السلاح

رفض مندوب السودان لدى مجلس الأمن، الحارث إدريس، المقترح الأميركي بتوسيع نطاق القرار 1591 وحظر توريد الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية، معتبراً أن الخطوة تمثل، وفق موقف الحكومة السودانية، استهدافاً للسيادة الوطنية وتؤثر على القوات المسلحة التي تخوض الحرب ضد الدعم السريع.

وقال إدريس إن توسيع حظر الأسلحة ليشمل السودان بأكمله سيؤدي إلى «تدمير ممنهج للقوات المسلحة السودانية»، التي قال إنها تعمل على صد «عدوان ممنهج» على البلاد، مؤكداً أن مثل هذا الإجراء لن يسهم في بناء الثقة أو إنهاء الحرب.

ورفض المندوب السوداني المساواة بين القوات المسلحة والدعم السريع، قائلاً إنه «لا يمكن المساواة بين جيش وطني يدافع عن أرضه وبين ميليشيا إرهابية مدعومة خارجياً ترتكب الجرائم».

وفي الوقت نفسه، أكد إدريس أن الحكومة السودانية تقف مع محاسبة مرتكبي الانتهاكات، مشيراً إلى الجرائم التي اتهم قوات الدعم السريع بارتكابها بحق المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، ومؤكداً ضرورة محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أفعال مخالفة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

كما أشار إلى تقرير فريق الخبراء بشأن السودان، قائلاً إن الفريق أدان، بحسب عرضه، دور الإمارات في تأجيج الحرب عبر دعم الدعم السريع، مضيفاً أن التقرير لم تتم مناقشته حتى الآن.

بولس يدفع نحو توسيع حظر السلاح

وفي المقابل، أعلن كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تقدمت بمقترح لتوسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل جميع الأراضي السودانية.

ويتضمن المقترح الأميركي، وفق ما طرح خلال الجلسة، ثلاثة محاور رئيسية وهي “توسيع حظر الأسلحة المفروض على السودان ليشمل كامل الأراضي السودانية. والتأكيد على أن الحظر يشمل الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها. وزيادة أعضاء لجنة الخبراء المكلفة بمراقبة العقوبات المفروضة على السودان.”

وقال بولس إن معاناة السودانيين وعدم الاستقرار الناجمين عن الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات لا يحظيان بالاهتمام الدولي الذي يستحقانه، مضيفاً أنه يعمل بتكليف من الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أجل إحلال السلام في السودان.

واتهم بولس “طرفي الحرب” بتفضيل التصعيد العسكري والسعي إلى السيطرة على أراض جديدة بدلاً من التوجه نحو الهدنة والسلام، مؤكداً أن الحوار والانتقال بقيادة مدنية يمثلان، وفق الموقف الأميركي، الطريق إلى سلام دائم واستعادة الحكم المدني.

كما أعلن دعم واشنطن جهود الآلية الخماسية الرامية إلى دفع المسار السياسي والمدني في السودان.

فرنسا وبريطانيا ودول غربية تؤيد توسيع الحظر

أيدت فرنسا توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، وقال مندوبها لدى مجلس الأمن إن بلاده ترى أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يتم إلا عبر الحوار.

كما أشار المندوب الفرنسي إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية في السودان تعاني نقصاً في التمويل بسبب عدم كفاية مساهمات المانحين.

وأعلنت دول غربية أخرى، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا والدنمارك ولاتفيا، تأييدها للمقترح الأميركي بشأن توسيع نطاق حظر الأسلحة، بحسب المواقف التي طُرحت خلال الجلسة.

وقالت مندوبة بريطانيا إن بلادها قدمت مساعدات للسودان خلال العام الحالي بلغت 200 مليون جنيه إسترليني لدعم الاستجابة الإنسانية.

ووصف مندوب الدنمارك السودان بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم»، مرحباً في الوقت نفسه بالجهود الأميركية الرامية إلى إنهاء الحرب.

روسيا ترفض المساواة بين الجيش والدعم السريع

وشهدت الجلسة موقفاً روسياً مخالفاً للمسعى الغربي لتوسيع العقوبات، إذ رفض ممثل روسيا المساواة بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع في المسؤولية عن استخدام الأسلحة وتداعيات الحرب.

واتهم المندوب الروسي الدعم السريع باستخدام الطائرات المسيّرة بصورة عشوائية ومن دون تمييز، وبهدف إيقاع أكبر قدر ممكن من الضرر بالمدنيين والبنية التحتية المدنية، في حين قال إن القوات المسلحة السودانية تعمل على تحديد أهدافها.

واعتبر أن تحميل طرفي الصراع مسؤولية متساوية عن استخدام الأسلحة «طرح غير مقبول»، داعياً إلى التمييز بين الجيش السوداني، باعتباره جيش الدولة، والقوات التي وصفها بالمتمردة.

كما انتقد العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية المفروضة على السودان، محذراً من أن سياسة «الخنق الاقتصادي» ستزيد الأعباء على المواطنين السودانيين.

الصين تحذر من التوسع العشوائي في العقوبات

من جانبها، دعت الصين إلى التركيز على تنفيذ العقوبات الأممية الحالية قبل التفكير في توسيعها.

وقال ممثلها لدى مجلس الأمن إن العقوبات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما أداة ينبغي استخدامها لتحقيق أهداف محددة، محذراً من التوسع العشوائي في العقوبات وما قد يترتب عليه من تعقيد الوضع في السودان وزيادة معاناة المدنيين.

وبذلك، بدا الموقف الصيني أقرب إلى التحفظ على المسعى الأميركي لتوسيع العقوبات، من دون أن تعلن بكين خلال الجلسة استخدام حق النقض أو اتخاذ موقف نهائي من مشروع قرار لم يُطرح للتصويت أصلاً.

باكستان: فرصة للعودة إلى منبر جدة

ودعا مندوب باكستان إلى العودة إلى منبر جدة، معتبراً أن هناك فرصة لإحياء المسار التفاوضي.

وأكد ضرورة إجراء حوار سياسي متوازن يضمن عدم انقسام السودان، كما شدد على ضرورة التمييز بين الجيش الوطني للدولة ذات السيادة والمليشيا المتهمة بارتكاب جرائم واسعة.

وقال إن الجيش السوداني هو الجهة القادرة على حماية المدنيين من فظائع الدعم السريع، وفقاً لما ورد في مداخلته.

مصر: وقف تدفق السلاح والمرتزقة

وركزت مصر في مداخلتها على ضرورة وقف تدفق الأسلحة والمرتزقة إلى الدعم السريع، معتبرة أن وقف هذه التدفقات يمثل عنصراً أساسياً في أي جهد جاد لإنهاء الحرب.

وقال مندوب مصر إن آلية حظر التسليح المفروضة على دارفور منذ نحو عقدين أثبتت قصورها، داعياً إلى تطويرها.

وفي الوقت ذاته، حذر من أن فرض وقف إطلاق النار يجب ألا يتحول إلى وسيلة لرسم خطوط تقسيم أو تكريس أمر واقع جديد في السودان، مؤكداً رفض بلاده لأي مسار يؤدي إلى تقسيم البلاد.

الإمارات تؤيد المقترح الأميركي

وفي موقف متوقع في سياق الجدل حول حظر السلاح، أعلنت مندوبة الإمارات لدى مجلس الأمن دعم مشروع القرار الأميركي الذي قدمه مسعد بولس، والهادف إلى توسيع حظر التسليح ليشمل كامل الأراضي السودانية بدلاً من اقتصاره على دارفور.

ويمثل هذا الموقف أحد أبرز نقاط الخلاف بين الخرطوم وأبوظبي داخل النقاش الأممي، في ظل اتهامات سودانية متكررة للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.

الأمم المتحدة تحذر من اتساع رقعة الحرب

وقدمت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، صورة قاتمة للأوضاع الميدانية والإنسانية.

وقالت إن القتال مستمر على جبهات متعددة في السودان، مرجحة أن تصل حصيلة قتلى الحرب إلى مئات الآلاف، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة المواجهات.

وأشارت إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت استخداماً مكثفاً للطائرات المسيّرة، إلى جانب وقوع فظائع في كردفان ودارفور والنيل الأزرق.

وقالت إن الطائرات المسيّرة المستخدمة من طرفي الحرب استهدفت مدارس وأسواقاً ومحطات مياه، محذرة في الوقت ذاته من التطورات العسكرية على الحدود السودانية الإثيوبية، التي وصفتها بأنها «مدعاة لقلق كبير».

العنف الجنسي واستهداف القطاع الصحي

وفي الجانب الحقوقي، قالت إيفا خير إن جرائم العنف الجنسي ضد النساء لا تزال مستمرة، مشيرة إلى ظهور حالات زواج قسري لفتيات قاصرات نسبت مسؤوليتها إلى عناصر في الدعم السريع.

كما اتهمت الدعم السريع باستهداف القطاع الطبي في السودان بصورة متعمدة من خلال القصف المدفعي والهجمات بالطائرات المسيّرة.

وتأتي هذه الإفادات في ظل استمرار التقارير الدولية والمحلية بشأن استهداف المنشآت الصحية والعاملين في القطاع الطبي وتعطل الخدمات الأساسية بسبب الحرب.

السعودية تدين انتهاكات الدعم السريع

وأكد مندوب السعودية لدى مجلس الأمن أن قوات الدعم السريع ما زالت ترتكب «انتهاكات شنيعة» بحق المدنيين السودانيين، مثمناً موقف الحكومة السودانية بشأن فتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية بما يتوافق مع إعلان جدة.

وشدد الموقف السعودي على أهمية استمرار وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، في ظل اتساع رقعة النزوح وتدهور الأمن الغذائي والصحي.

أزمة إنسانية تتفاقم

وتأتي جلسة مجلس الأمن في وقت تتزايد فيه حدة العمليات العسكرية في السودان، خصوصاً في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، بالتزامن مع الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة واستمرار النزوح وتدهور الخدمات الأساسية.

وتشير مداخلات الأمم المتحدة والدول الأعضاء إلى أن المدنيين يتحملون الجزء الأكبر من تبعات الحرب، مع استمرار استهداف أو تضرر الأسواق والمدارس والمرافق الصحية ومحطات المياه، إلى جانب صعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق واسعة.

كما حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار القتال قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في عدد الضحايا، فيما تواجه المنظمات الإنسانية صعوبات مرتبطة بالتمويل والوصول والأمن.

انقسام دولي حول العقوبات

تكشف مواقف أعضاء مجلس الأمن عن انقسام واضح بشأن المقترح الأميركي لتوسيع حظر الأسلحة.

ففي الوقت الذي تدعم فيه الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ودول غربية أخرى توسيع الحظر ليشمل كامل السودان، تتحفظ روسيا والصين على توسيع العقوبات، مع تأكيد موسكو رفضها للمساواة بين القوات المسلحة والدعم السريع، ودعوة بكين إلى تنفيذ العقوبات الحالية قبل التفكير في إجراءات إضافية.

كما ظهرت مواقف تدعو إلى استئناف المسار التفاوضي، خصوصاً من باكستان، التي أشارت إلى إمكانية العودة إلى منبر جدة، بينما شددت مصر على وقف تدفق السلاح والمرتزقة ومنع أي ترتيبات قد تكرس تقسيم السودان.

وبذلك، لم تنتج جلسة 24 أغسطس قراراً جديداً أو تصويتاً على توسيع العقوبات، لكنها كشفت بوضوح عن معركة دبلوماسية موازية للحرب الميدانية حول مستقبل نظام العقوبات، وطبيعة التعامل الدولي مع طرفي الصراع، وشكل التسوية السياسية التي يمكن أن تنهي الحرب في السودان.