على الجدار..كتب / نصر يعقوب آدم “كوكر”

مليشيا الدعم السريع كيان إرهابي يمارس القتل والنهب والترويع، وهذه حقيقة لم تعد محل نقاش أو إنكار. لكن المفارقة الصارخة تكمن في أن هذه الآلة العسكرية المتوحشة، تبدو في الميدان السياسي أضعف من أن تصوغ جملة مفيدة، فضلاً عن مشروع وطني متماسك.

إنها لا تمتلك أيًا من أدوات العمل السياسي: لا برنامج، لا خطاب، لا حاضنة شعبية حقيقية. لذلك فإن حربها الدائرة ليست معركة من أجل فكرة أو رؤية، بل هي حرب مفتوحة ضد الشعب السوداني ومؤسساته. وقد كشفت السنوات الماضية أن السواد الأعظم من العناصر التي انضمت إليها مؤخرًا، لم يلتحق بها إلا بدوافع قبلية ومناطقية ضيقة، لا علاقة لها بأي مشروع وطني جامع.

المخطط أبعد من مجرد معركة عسكرية

مشروع هذه المليشيا لا يقف عند حدود السيطرة على الأرض بقوة السلاح، بل يمتد ليستهدف إعادة هندسة المشهد السياسي والاجتماعي السوداني بأكمله. مدعومةً بأجندة خارجية، تهدف إلى فرض واقع جديد يضمن لها وجودًا دائمًا داخل مفاصل الدولة.

بهذا المنطق، يتم اختزال الدولة السودانية إلى محاصصة عرقية، وتُستبدل شرعية الصندوق والمواطنة بشرعية البندقية والانتماء القبلي.

بعد الفشل العسكري.. شراء الواجهات المدنية

عندما اصطدم هذا المخطط بصخرة وعي الشعب السوداني وصلابة جيشه، لجأت المليشيا إلى الخطة “ب”: شراء الشرعية. عبر سياسة الإغراء المادي وتوزيع المناصب الوهمية في حكومتها المزعومة، استقطبت بعض الأسماء السياسية مثل محمد حسن التعايشي، والهادي إدريس، والطاهر حجر، وآخرين.
الغاية من هذا التحرك مكشوفة: تلميع وجه المليشيا الدموي بقناع مدني، ثم وضع المجتمع الدولي أمام معادلة ابتزازية: إما الاعتراف بها ككتلة سياسية، أو تحميله مسؤولية استمرار الفوضى والانهيار.

“تأسيس”.. تحالف بلا أساس
هذا السلوك هو التفسير الأكثر منطقية لحالة الإفلاس السياسي والأخلاقي التي يعيشها من سمّوا أنفسهم تحالف “تأسيس”. إنه تجمع لا يجمعه مبدأ، ولا توحده رؤية، ولا يحركه سوى الطمع في سلطة بلا تفويض شعبي، وشرعية بلا انتخابات.

الدولة لا تُختزل في قبيلة

في مقابل هذا العبث، يجب التأكيد على البديهية التي تحاول المليشيا طمسها: الدولة لا تُبنى على أساس عرقي، ولا تقوم على إقصاء مكون لصالح آخر. الدولة الحديثة التي يحلم بها السودانيون تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وعلى عقد اجتماعي أساسه الحقوق والواجبات.
دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والعدالة معيارًا لا يحيد، والمساواة حقًا لا منّة. دولة لا يُسأل فيها المرء عن قبيلته، بل عن كفاءته وما يقدمه لوطنه.

إن المعركة اليوم تتجاوز ثنائية الجيش والمليشيا. هي معركة بين مشروعين: مشروع الدولة الوطنية الجامعة، ومشروع اللادولة القائم على المحاصصة والابتزاز. وقد قال الشعب السوداني كلمته: لا مكان لمليشيا إرهابية في مستقبل السودان.