كتب / عبد الهادي عبد الله
شغلت الساحة السياسية والإعلامية السودانية خلال الساعات الماضية موجة كثيفة من الجدل عقب تداول منصات التواصل الاجتماعي، وقناة تلفزيونية، معلومات منسوبة لـ ”مصدر مجهول“ بمجلس السيادة، تزعم قيام عضو مجلس السيادة، الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، بعقد لقاء ”سري“ في القاهرة مع مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، دون علم أو تنسيق مع رئيس المجلس الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان.
وحتى لحظة كتابة هذا المقال، لم يصدر عن مجلس السيادة الانتقالي أي تأكيد أو نفي رسمي لما تم تداوله بشأن اللقاء أو تفاصيله، الأمر الذي أبقى المجال مفتوحاً أمام التأويلات والتسريبات المتداولة.
انبرت المنصات والناشطون في حملة تخوين مألوفة، تكيل اللوم للكباشي وتصوره كأنه يغرد خارج السرب أو يقود خطوة انفرادية لتجاوز الأطر الرسمية. لكن التدقيق العقلاني في هذا المشهد يكشف عوار هذا التناول السطحي؛ فالأزمة الحقيقية لا تكمن في ”علم البرهان من عدمه“، بل في بنية ومنهجية إدارة مجلس السيادة للملف التفاوضي بأكمله.
إن فرضية تحرّك كباشي بمفرده ودون علم البرهان هي فرضية تتناقض مع طبيعة المؤسسة العسكرية السودانية أولاً، ومع شواهد التاريخ القريب لهذه الحرب ثانياً. فمنذ اندلاع هذا الحرب المصيرية التي تقودها ميليشيا الدعم السريع وبدعم وإسناد كامل من دولة الإمارات، جرت لقاءات وتفاهمات سرية عديدة بعلم ومباركة رئيس مجلس السيادة؛ ولعل أبرزها ”محادثات المنامة“ السرية التي قادها كباشي نفسه بتكليف مباشر. بالتالي، فإن محاولة تصوير اللقاء الأخير في القاهرة على أنه ”مؤامرة فردية“ ما هي إلا محاولة من بعض الدوائر لصناعة ”كبش فداء“ يمتص الغضب الشعبي، بينما يتم التغطية على النهج العام لقيادة الدولة.
النقد الحقيقي والمسؤول الذي يجب أن ينصب هنا، ليس على كباشي كشخص، بل على عقيدة ”العمل السري“ التي ينتهجها مجلس السيادة في معركة تخص وجود الشعب السوداني بأسره.
إن التفاوض في حد ذاته ليس خطيئة، والدبلوماسية أداة مكملة للبندقية، لكن الخطأ القاتل هو تغييب الشعب السوداني عن هذه التحركات. هذا الشعب الذي يقدم الغالي والنفيس، ويتحمل التشريد والانتهاكات والفقر لدعم مؤسسته العسكرية، لا يستحق أن تُبرم التفاهمات حول مصيره في الغرف المغلقة.
إذا كانت لدى مجلس السيادة قناعة بضرورة الجلوس والتفاوض مع الميليشيا وأدواتها الإقليمية، أو مع القوى الدولية للوصول إلى تسوية، فمن الأوجب والأشجع إقناع الشعب السوداني بمسوغات هذه الخطوة ووضع الحقائق أمامه بكل شفافية، لا الهروب نحو الصفقات السرية التي تفجر أزمة ثقة وتفتح الباب على مصراعيه للتخوين والشقاق الداخلي في وقت يحتاج فيه السودان إلى أعلى درجات التماسك خلف قواته المسلحة.